» توفّر النيّة

مهما أوتي الإنسان من الإحاطة في البلاغة والدراية إلا أنّه يبقى على سواحل بحار معاني كلمات أهل البيت سلام الله عليهم لأنّهم أرومة اللغة وسادات الأدب والبلاغة؛ ومن الأمثلة على ذلك كلمات الإمام السجّاد سلام الله عليه في هذا الدعاء.
ما يبدو لنا في هذا المجال أنّ الإمام السجّاد عليه السلام يمزج المعاني هنا بعضها ببعض ويُشرب بعض الألفاظ بمعاني ألفاظ أخرى؛ هذا الإشراب الأدبي للفظ بمعنى لفظٍ آخر يجعله قالباً وقابلاً للمعنيين معاً.
تستعمل مفردة «وفر» في اللغة تارة متعدية وأخرى لازمة، وكلٌّ بلحاظ يختلف عن الآخر. تقول: (وفُرَ المالُ) أي كثر واتّسع، وتقول (وفِّرِ الشيء) أي كمّله واجعله وافراً. كما يستعمل التوفير بمعنى الصيانة والحفظ أيضاً.
وقد استعمل الإمام هذه الكلمة بشأن النيّة لأنّ ما يطلبه الإمام من الله تعالى هو المراتب العالية من الشيء وليس أصل الشيء كما في طلبنا نحن. فإنّ الإمام يطلب هنا توفير النيّة بمعنى الوصول بها إلى الكمال وثبوتها، لا بمعنى إيجادها في نفسه.
إنّ الثبات على النيّة أصعب شيء على النفس لأنّها متذبذبة بالنسبة إلى النيّة ذبذبة غريبة، ومثاله التذبذب الذي يحصل لنا في الصلاة. فربما تبدلت نيّة بعضنا في الصلاة الواحدة أكثر من عشرين مرة! فقد يبدأ الشخص صلاته بنيّة تنسجم وقول أمير المؤمنين سلام الله عليه: «إلهي ما عبدتُك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنّتك ولكن وجدتُك أهلاً للعبادة فعبدتك»(1)، فيبدأ تكبيرته بهذه النيّة، ولكن بمجرّد أن يُتمّ التكبير تهجم على ذهنه الأفكار، فإذا كان خطيباً مثلاً فكّر في المجلس الذي ينتظره، وإذا كان تاجراً فكّر في تجارته وهكذا. فهل هذا هو المراد من التكبير؟! هل كبّر الخطيب ليبدأ الإعداد لمجلسه مثلاً؟ إنّ الإعداد للمجلس أمر حسن ولا بأس به، ولكن ليس أثناء الصلاة.
إنّ مسألة الثبات على النيّة تعتبر بحدّ ذاتها مسألة صعبة جدّاً. فإنّ الإنسان مهما أوتي من توفيق وإخلاص حتى لو استمرّ عليه سبعين سنة فإنّه لا يؤمَن من تزلزل النيّة في نفسه، لأنّ الإنسان ـ كما هو معلوم ـ مكبّل ومشدود بغرائز وأهواء مختلفة. وقد ورد في كثير من الآيات الكريمة والأحاديث القدسية والروايات الشريفة أنّ جمهرة عظيمة وكبيرة من الناس يدخلون جهنم ـ والعياذ بالله ـ لعدم ثبات نياتهم؛ قال تعالى: «مُذَبْذَبينَ بَيْنَ ذَلكَ لاَ إلَى هَؤلاَء وَلاَ الَى هَؤلاَء»(2).
ولذلك يطلب الإمام من الله تعالى إكمال النيّة وإبعاد النقص فيها، ويطلب کذلك صيانتها، فهي معرّضة للتأثيرات المختلفة، الأمر الذي يجدر بنا بعد انعقاد نوايانا في نفوسنا أن نطلب من الله تعالى توفيرها وصيانتها من أخطار الشيطان والشهوات وتأثيراتها المختلفة.
ولذلك فإنّ الإمام لم يقل: «وفِّر نيّتي» بل قال: «وفّر بلطفك نيّتي». فهذه الباء هي باء السببية، أي ليتدخّل لطفك يا إلهي في توفّر نيتي، وإلاّ فإنّي غير مستحقّ لولا لطفك ورحمتك. فما هو المراد من اللطف هنا؟
إنّ كلّ كلمة من كلمات هذا الدعاء يعدّ كتاباً حقّاً، ولو عرضتَ هذا الدعاء وحده على شخص لا يعرف أهل البيت وكان أديباً وعارفاً بالمعاني ومنصفاً مع نفسه لغيّر نظرته وتحوّل إلى أهل البيت عليهم السلام!
اللطيف: صفة من صفات الله تعالى وأسمائه، وفي اللغة له عدّة معان، ومن تلك المعاني: الرفيق أي صاحب الرفق. ومن معاني اللطف: التوفيق والعصمة(3). وغير مستبعد أن يريد الإمام كلا المعنيَين.
فكأنّ الداعي يقول: يا إلهي أنت رفيق بعبادك (ترفق بهم) فبرفقك يا إلهي وفّر نيتي، ويا الهي أنت الموفّق والعاصم لعبادك توفّق وتعصم وِفْقَ مشيئتك، فبتوفيقك يا إلهي اعصِم نيّتي.
لقد أودع الله تعالى في الإنسان من الطاقات ما هي كفيلة بتصحيح مساره، لكنّه ـ الإنسان ـ كثيراً ما يضعف عن صيانة نيّته وحفظها عن الزيغ والتذبذب، فتراه يعجز عن الصعود والارتقاء بها إلى درجات الكمال العليا؛ ولذا يقول الإمام السجّاد عليه السلام: «اللهم وفّر بلطفك نيّتي». أي يا إلهي خذ بيدي واصعد بنيّتي، فلا أستطيع الارتقاء من دون عونك.


النيّة إطار العمل ومانحة لونه
والنيّة إطار العمل، فالعمل لا لون له، مثل الماء الصافي الذي لم تخالطه أجزاء ترابية أو شوائب أخرى. فلو كان الماء صافياً جداً وصُبّ في إناء زجاجي شفّاف، حينها لا يتمكّن الإنسان أن يبصر حدّ الماء من بعيد بسهولة، خصوصاً إذا كان ساكناً لا تموّج فيه، وذلك لأنّ الماء في الأصل لا لون فيه وإنّما يكتسب لون الإناء الذي يوضع فيه أو لون الشيء الذي يمتزج معه، أو غير ذلك.
فالعمل كالماء بصفائه، وإنّ النيّة هي ذلك الشيء الذي يمنحه لونه.
فمثلاً زيد يدرّس، ولكن المهمّ هو الهدف الذي يدرّس من أجله فإن كان إلهياً قلنا إنّ عمله إلهي، وإلا كان له لون آخر. وهكذا الحال مع كلّ عمل سواء كان تدريساً أو دراسة أو خطابة أو تأليفاً أو بناء مسجد أو أيّ عمل آخر.
• مثال آخر: شخص شتمك، ولكنّك حلمت عليه، فالحلم شيء صعب وجميل في نفس الوقت، ولكن الأصعب من الحلم تأطيره بنية إلهية. أمّا إذا كان الدافع لاستعمالك الحلم أن تقوّي مكانتك بين الأصدقاء أو يقال عنك حليم، أو تعلن للناس من خلاله أنك قويّ الإرادة، فهذا يختلف عمّن يحلم لعلمه أنّ الله يحبّ الحلم ويدعو إليه، ولكلٍّ حساب.


لا عمل إلا بنيّة
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «لا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنيّة، ولا قول ولا عمل ولا نيّة إلا بإصابة السنّة»(4).
وهناك أحاديث كثيرة بهذا المضمون، ذكر بعضها الحرّ العاملي رحمه الله في كتابه(5).
و «لا» هنا نافية للجنس؛ لأنّ اسمها مبنيّ على الفتح، وهي تختلف في أدائها ومدلولها عن «لا» المشبّهة بـ «ليس» في كون النافية للجنس تنفي جنس الشيء وهو العمل في المقام، وهذا معناه أنّ العمل واللاعمل سيّان إن لم يكن العمل مصحوباً بنيّة حسنة، وليس المقصود نفي الحقيقة والواقع الخارجي بل نفي الاعتبار. فمن واصل الدراسة لمدّة عشرين أو ثلاثين سنة حتى بلغ مرحلة الاجتهاد، إنّما يعبّر عن وجود همّةٍ صاحبُها رجل مثابر، إذاً فكيف لا يعدّ كلّ ما بذله من جهد عملاً؟! وهكذا من بذل إطعاماً أو ألقى خطاباً استوجب مدح الناس وإعجابهم، كيف يقال عمّا صدر عنه أنّه لم يكن عملاً؟ لا شكّ أنّ المقصود هو نفي الاعتبار وليس الحقيقة. وتوضيحه بمثال:
لو أنّ شخصاً ألّف كتاباً ضخماً وأتعب نفسه في تأليفه ثمّ قدّمه لعالِم والتمسه أن يكتب له تقريظاً، ولكن العالم اكتشف بعد مطالعته الكتاب أنّه لا قيمة له من الناحية العلمية والموضوعية واعتذر لصاحبه عن كتابة التقريظ قائلاً: إنّ هذا ليس بكتاب أصلاً! فماذا يُفهم؟ هل نفى الواقع المادّي الملموس للكتاب ککتاب مؤلَّف من أوراق كتبت عليها عبارات وخطوط، أم نفى توفّر الكتاب على الشروط التي يستحقّ بها أن يسمّى كتاباً كما ينبغي.
إذاً ما كتبه الكاتب في المثال هو كتاب، وفي الوقت نفسه ليس بكتاب. هو كتاب خارجاً وحقيقة، ولكنّه ليس كتاباً اعتباراً، أي وفق الشروط التي يعتبرها أهل الفنّ.
إذا اتّضح هذا المثال نقول: هكذا يجب أن نفهم مراد الأحاديث الشريفة التي تقول إنّه لا عمل إلا بنيّة.
والخوف كلّ الخوف أن يأتي اليوم الذي ينتشر فيه هذا اللاعمل. فلكلّ فرد منّا مئات الملايين من الأعمال في حياته، لأنّ العمل ليس منبراً أو تأليفاً أو تدريساً أو بناء حسينية فحسب، بل كلّ نظرة وكلّ نفحة، وكلّ تأمّل وتفكّر وكلّ لمسة وهمسة ولمزة وخلسة، وكلّ استماع ونجوى وتعبير، ولابدّ أن تحصى هذه الأعمال كلّها عند الله تعالى وتنشر يوم القيامة، ليکشف عن عدد هائل من اللاعمل بعدد مصاديق الأعمال المجرّدة عن النيّة الحسنة.


ولا عمل ولا نيّة إلا بإصابة السنــّة
وهذا تتمّة الحديث(6)، وإن لم يكن مورد بحثنا الآن، ولكن لا بأس بإشارة إليه لأهمّيته. ولعل أقرب مثال يوضّح هذا المعنى قد تجسّد في أولئك الذين عادوا الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه وشهروا سيوفهم في وجهه بنيّة التقرّب إلى الله تعالى!
فكيف يُتصوّر قبول عمل من شهر سيفه في وجه الإمام علي عليه السلام وهو ميزان الأعمال يوم القيامة(7)؟! أي بمودّة علي عليهم السلام توزن أعمال العباد ليعرف ثقلها، ويتحقّق قول الله تعالى: ﴿فَأمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ - فَهُوَ في عيشَةٍ راضِيَة - وَأمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ - فأمُّهُ هاويَة﴾(8).
أيعقل أن يجعل اللهُ تعالى علياً عليه السلام ميزاناً ومعياراً لأعمال الخلائق وفيصلاً بين الحقّ والباطل، يدور الحقّ معه حيثما دار(9)، ثمّ يرضى بمحاربته وإشهار السيف بوجهه؟!
ورغم ذلك نرى قوماً كان هذا فعلهم. ولذلك يذكر المؤرّخون أنّه عندما طُعن أحد الخوارج يوم النهروان, مشى في الرمح وهو شاهر سيفه إلى أن وصل إلى طاعنه فضربه فقتله وهو يقرأ: ﴿وَعَجلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ ـ طه: 84 (10). فهذا عنده نيّة وعمل ولكن عمله ونيّته لم يصيبا السنّة، فيكون عمله بذلك من مصاديق اللاعمل.


النيّة قبل العمل وحينه وبعده
يظهر من مضمون الأحاديث والروايات أنّ النيّة تؤثّر في العمل سواء كانت قبل العمل أو حينه أو بعده لا فرق، سوى أنّ فسادها بعد العمل يفسده دون أن يبطله. والفقهاء رضوان الله عليهم قد فصّلوا الأمر وقالوا: إنّ النيّة إذا كانت فاسدة حين العمل ـ أي كان العمل لغير الله كما لو كان رياءً مثلاً ـ فهذه النية الفاسدة تفسد العمل وتبطله، ولكنّها إن فسدت بعد العمل فهي لا تبطل العمل بل تفسده فقط. و لا يتناقض هذا الفهم مع مفهوم الروايات المتقدّمة فضلاً عن منطوقها بل هو فهم يفرّق بين البطلان الذي يعني لزوم إعادة العمل وبين الإفساد الذي يعني عدم القبول.
فلو أنّ شخصاً صدر منه الرياء أثناء الصلاة، فلا شكّ حينئذ بفساد الصلاة وبطلانها في الحالتين، الأمر الذي يستوجب الإعادة في الوقت، والقضاء خارج الوقت إن فاته.
ولكن لو فرضنا أنّ الشخص لم تكن هذه نيّته ولكنّه بعد أن أتمّ الصلاة حدّثته نفسه بالرياء والتظاهر، وعمل بذلك، فتحدّث لغيره عن صلاته وخشوعه فيها، فهنا يقول الفقهاء إنّ الصلاة وإن فسدت فهي لا تبطل، ويعنون بذلك عدم بطلانها الظاهري، وهذا المعنى مساوق لعدم وجوب الإعادة أو القضاء.
أمّا الروايات التي تقول باشتراط حسن النيّة حتى بعد العمل فهي ناظرة إلی القبول، ولذلك فإنّ هذه الصلاة تساوق العدم من حيث الأجر والقبول وإن لم تستلزم الإعادة في الدنيا لسقوط التكليف بالفراغ منها قبل حصول الخلل في النيّة. أمّا الخلل الحاصل حين العمل فهو مخلّ بالركنين الصحّة والقبول معاً، ولذلك عُدّ من رائی أثناء صلاته كمن صلّى بلا وضوء أو مستدبرَ القبلة أو مع النجاسة غير المعفوّ عنها وما أشبه، ومن ثمّ فتجب عليه الإعادة، والقضاء إن لم يُعد في الوقت، بل تجب على ورثته قضاؤها إن لم يقضها، على التفصيل المذكور في الكتب الفقهية.


مثال من واقع الحياة
واشتراط النيّة وصحّتها في قبول العمل من الأمور التي جرت عليها سيرة العقلاء في حياتهم العملية، والأمثلة ليست عزيزة في هذا المجال، فكثيرة هي الأمور التي قد يُتعب الإنسان نفسه عليها، ثمّ يفرّط بها ويتلفها بسهولة وربّما باندفاع لأنّه يرى أنّها كانت عديمة الفائدة، وإن شكلت كمّاً ضخماً في الواقع الخارجي.
نقل لي أحد العلماء رحمه الله قال: لقد ألّفت مجموعة من الكتب خلال عشرين سنة ثمّ بدا لي بعد ذلك أنّي غير راغب فيها – من الناحية الدينية طبعاً وليس السياسية – ولا أريد بقاءها عندي، ففكّرت بطريقة للتخلّص منها، لأنّني لا أستطيع إحراقها بسبب وجود أسماء الله تعالى وآيات قرآنية وروايات للمعصومين فيها، يقول: ففکّرت أن أعطيها لشخص لكي يرميها في النهر ولكنّي خشيت أن لا يرميها في الماء أو أن يبقي منها ما قد يدركه أحد ويستخرجه، فرأيت أنّ أفضل طريقة هي أن أدفنها في حفرة أحتفرها في داخل بيتي، فاستأجرت حفّاراً ليحفر لي بئراً في موضع من البيت، وبعد أن حفر مقداراً أعطيته أجرته وطلبت منه أن ينصرف. وعندما خرج من البيت أسرعت بوضع الكتب في الحفرة وفتحت عليها الماء ثمّ أهلت التراب حتى اختفت ثمّ سوّيت ما عليها!
هكذا يفعل الله مع أعمالنا الباطلة، يقول تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾(11). حقّاً ما آلمه من عذاب، ذلك عذاب اليوم الآخر الذي يهون عنده كلّ أنواع العذاب في دار الدنيا، لأنّ الإنسان المؤمن سيرتاح بالموت من عذاب الدنيا وهمومها، ولكن لا راحة من العذاب الأخروي لسواه، سيّان النفسي منه والجسدي.
إنّ المفتاح بيد الإنسان وإن لم يخلُ الأمر من صعوبة ولكنّه ممكن، غايته أنّه يتطلّب إرادة وتوكّلاً على الله تعالى. والنيّة تؤطّر العمل في كلّ حال. فهي تؤطّر الخطابة والتدريس والبذل والإطعام، وهي تؤطّر عمل المرجع والمؤلّف والمبلّغ وإمام الجماعة والقاضي، كما تؤطّر العمل في سائر المجالات.


الخلود بسبب النيّة
يقول العلاّمة المجلسي: ومن هذا يظهر سرّ أنّ أهل الجنّة يخلدون فيها بنيّاتهم، لأنّ النيّة الحسنة تستلزم طينة طيّبة، وصفات حسنة، وملكات جميلة تستحقّ الخلود بذلك؛ إذ لم يكن مانع العمل من قبله فهو بتلك الحالة مهيّأ للأعمال الحسنة والأفعال الجميلة، والكافر مهيّأ لضدّ ذلك، وبتلك الصفات الخبيثة المستلزمة لتلك النيّة الرديئة استحقّ الخلود في النار(12).
توضيحه: إنّ المؤمن الثابت على الإيمان مهما مدّ الله في عمره أقام على الطاعة فهذه نيّته، والعاصي المصرّ على العصيان مهما عاش في الدنيا استمرّ على عصيانه، وهذا عزمه.


أمثلة على النيّة الحسنة
• للشيخ عباس القمّي رحمه الله كتب عديدة منها «مفاتيح الجنان»(13) وله كتاب عميق المحتوى كتبه باللغة الفارسية وتمّت ترجمته مؤخّراً إلى اللغة العربية، أسماه «منازل الآخرة» وهو ـ حقّاً ـ يعبّر عن محتواه.
كان أبوه (محمد رضا) رجلاً عادياً، ومن الكسبة الأخيار، فكان ملتزماً بالحضور في مسجد الإمام الحسن العسكري سلام الله عليه المعروف في مدينة قم المقدّسة، حيث كان هناك خطيب قد تأثّر بخطابه وبوعظه وإرشاده؛ فقد كان خطيباً جيّداً، وفي نفس الوقت كان من الذين يخدمون أهل البيت سلام الله عليهم عن هذا الطريق.
أمّا الشيخ عباس القمّي فلم تكن حرفته الأصلية الخطابة بل كان مؤلفاً محققاً، ولكنّه مع ذلك كان يصعد المنبر أحياناً، وكان المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري (زعيم الحوزة العلمية) يدعوه لارتقاء المنبر في مدينة قم، كما كان السيّد حسين القمّي رحمه الله يدعوه أحياناً ليصعد المنبر في بيته في مدينة مشهد المقدّسة. وكان غالباً ما يأخذ معه كتاباً بيده ويقرأ منه، لأنّه كان يخشى الزيادة والنقيصة ويتورّع في ذلك.
كان محمد رضا يسأل ابنه «الشيخ عبّاس» مراراً: لماذا لا تزيد من معلوماتك وتصعد المنبر مثل الخطيب الفلاني الذي أحضرُ مجلسه في مسجد الإمام العسكري سلام الله عليه، فهو خطيب جيّد يحضر منبره جمهور كثير وهو يقرأ من كتاب معه يحوي مواعظ وحكماً وحكايات مؤثّرة؟
وكان الكتاب الذي يطالع فيه ذلك الخطيب هو كتاب «منازل الآخرة» للشيخ عبّاس القمّي، ولكن الشيخ مع ذلك لم يخبر أباه أبداً أنّ هذا الخطيب إنّما يقرأ من كتاب «منازل الآخرة» وأنّه من تأليفي.
وهذه الحالة تكشف عن الإخلاص في النيّة.
• للشيخ ابن فهد الحلّي رحمه الله تأليفات كثيرة منها كتاب «عدّة الداعي» كنت سابقاً قد سمعت عن الكتاب ورأيت بعض ما نُقل عنه، ولكنّي لم أكن قد رأيت الكتاب نفسه. وعندما حصلت عليه، بعد أن جاءني به شخص في أوّل الليل، أخذت في قراءته وسهرت بذلك الليل كلّه تقريباً، فشعرت بتأثير مطالبه عليّ مع أنّي كنت قد سمعت بمعظمها، حتی إنّه يمكنني القول أنّي لم أجد شيئاً جديداً سوی جملة واحدة لا تزيد على سطر واحد.
وكعادة طلاب العلوم الدينية الذين يبحثون دائماً عن جذور الأشياء وأسبابها، فكّرت عند نفسي عن السبب الذي يكمن وراء كلّ هذا التأثير الذي وجدته من وراء هذا الكتاب ـ رغم أنّ معظم مطالبه لم تكن جديدة لي ـ فلم أصل إلاّ إلى أمر واحد فقط وهو أنّ المؤلّف كتب كتابه هذا بنيّة خالصة!
لقد كان الشيخ ابن فهد الحلّي رحمه الله من الفقهاء الأتقياء وصاحب كرامات وقد نُقلت عنه أشياء نادرة وأمور مبتكرة ولعلّها فريدة.
ولقد كانت نيّته موفّرة وخالصة لدرجة أنّ عمله في كتابه هذا على وجه الخصوص، يؤثّر في النفوس رغم مرور مئات السنين عليه!
• لما أظفر الله تعالى أمير المؤمنين سلام الله عليه: بأصحاب الجمل قال له بعض أصحابه: وددت أنّ أخي فلاناً كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعدائك. فقال سلام الله عليه: «أ هوى أخيك معنا؟» قال: نعم. قال: «فقد شهدنا، ولقد شهدنا في عسكرنا هذا، أقوامٌ في أصلاب الرجال وأرحام النساء سيرعف بهم الزمان ويقوى بهم الإيمان»(14).


لابدّ من النيّة والتوكّل معا
إنّ النيّة هي الأساس في العمل، وهي إطار العمل كما أسلفنا، والاختيار يبقى بيد الإنسان، ولكن بما أنّه مكبّل ومشدود إلى الأرض فهو بحاجة إلى تأييد ربّاني. نضرب لذلك مثلاً:
إنّ الذين يتسلّقون الجبال يمسكون بحبل أحد طرفيه مثبّت في أعلى الجبل، فالمتسلّق منهم وإن تراه يصعد بعزيمته وجهده وفكره وأعصابه إلاّ أنّه مع ذلك لابدّ له من وجود ذلك الحبل لأنّ أدنى زلّة منه قد تودي بحياته أو تهشّم عظامه، إذا ما هوى. فلا العزيمة وحدها كافية دون الحبل ولا الحبل وحده كاف دون العزيمة، لأنّ من لا عزيمة وقوّة له لا يستطيع التسلّق وإن كان هناك حبل، كما أنّ الإرادة والعزيمة غير كافيتين دون الحبل لأنّ الطريق صعب ومحفوف بالمخاطر، وأنّ أدنى غفلة أو زلّة تنتهي بصاحبها إلى التحطّم والهلاك.
وهكذا الحال بالنسبة للنيّة ونجاحها، فإنّها تتطلب إرادة وعزيمة وتصميماً من العبد، وتوكّلاً منه على الله تعالى إلى جانب ذلك. فإنّ التوكّل وحده دون إرادة واختيار من العبد لا يكفي، كما أنّ اعتماد العبد على إرادته وحدها دون مدد من الله هو أيضاً غير مضمون النتائج.
وتلك الوسيلة التي تعين العبد على تسلّق درجات المعرفة والكمال والفلاح، هي النيّة والتوكّل على الله تعالى.
• كان أبو حمزة الثمالي(15) شخصية عظيمة، ويكفي أنّ واحدة من حسناته روايته الدعاء المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، الذي كان يدعو به الإمام زين العابدين سلام الله عليه في أسحار شهر رمضان المبارك.
روي أنّ سبطه حسيناً روى عن أبيه، عن أبي حمزة أنّه قال: «والله إنّي لعلى ظهر بعيري بالبقيع إذ جاءني رسولٌ فقال: أجب يا أبا حمزة! فجئت وأبو عبدالله عليه السلام جالس، فقال: «إنّي لأستريح إذا رأيتك»(16).
هذه كلمة عظيمة جدّاً، فالإمام الصادق سلام الله عليه كان له أصحاب كثيرون، فلماذا كان يستريح لأبي حمزة بالخصوص؟ هل كان سلام الله عليه يستريح لشكله أو منطقه أو لسانه أو ماله أم كان يستريح لإخلاصه؟ لاشكّ أنّ إخلاص أبي حمزة هو الذي رفعه إلى هذه الدرجة العظيمة، وأنّ الإمام كان يستريح لخلوص نيّته.


لنعمل على توفير النيّة
فلنتجاوز هذه العقبة الكؤود ـ عقبة التذبذب في النية ـ ولنؤطّر أعمالنا بنيّة خالصة مادمنا على الطريق، نؤمن بالله واليوم الآخر، ونؤدّي سائر الفروض والواجبات، وندرس وندرّس العلوم الدينية ونعظ الناس ويؤلّف بعضنا الكتب لهدايتهم أو لبيان معالم الدين، لأنّنا ـ مع الأسف ـ نرى أنّ بعض الناس بعيدون حتى عن أوليات الدين الحنيف، لذا يلزم أن نبذل جهداً متميّزاً في الوصول إلى أحسن النيّات. غاية الأمر أنّه يحتاج إلى تركيز وتصميم وتوسّل بالله تعالى واستشفاع بأهل البيت سلام الله عليهم. فإنّ العمل الخالص هو الذي لا تريد أن يمدحك عليه أحد ـ كما أشار إليه الأئمّة المعصومون سلام الله عليهم(17) ـ وإن كان هذا أمراً صعب المنال ولكنّه ممكن.
بعد ساعات أو أيّام أو شهور أو سنين ـ كلٌّ حسب أجله ـ سننتقل إلى الدار الآخرة، حينها نتأسف لعدم استثمار حياتنا وأعمارنا في العمل بإخلاص، وأنّ عمدة همّنا كان منصبّاً في التظاهر بأعمالنا وذواتنا.
صحيح أنّه ينبغي في بعض الموارد ـ أو يستحبّ بل قد يجب ـ أن يُظهر الإنسان نفسه، ومثاله: أن تكتب اسمك على الكتاب الذي تؤلّفه ليُعرف أنّه لك فيؤخذ بما فيه إن كنتَ ممن يوثق بكلامه(18). ولكن ليكن كتابة اسمك من أجل التوثيق لا لكي تري نفسك وتظهر ذاتك لأجل التفاخر وما أشبه.
وهذا الأمر يتطلّب انتباهاً مستمرّاً وتوكّلاً على الله تعالى، فربّ غفلة أدّت إلى سقوط مميت! كالذين يقودون سيّاراتهم في طرق ذات منعطفات ومزالق خطيرة تتطلب منهم انتباهاً ويقظة وحذراً لكي لا تؤدّي بهم الغفلة إلى خسارة أعمارهم أو البقاء معوقين طيلة حياتهم!


(1) منازل الآخرة: 31.
(2) النساء: 143.
(3) انظر لسان العرب: 9/ 316، مادة لطف.
(4) الکافي: 1/ 70، ح9، کتاب فضل العلم.
(5) وسائل الشيعة: 1/ 33 ـ 54، أبواب مقدّمة العبادات من كتاب الطهارة.
(6) المتقدم آنفاً.
(7) إشارة لما جاء في زيارة أميرالمؤمنين سلام الله عليه حين يقف الزائر على باب السلام فيقول: السلام ... على ميزان الأعمال، انظر المزار: 184.
(8) القارعة: 6 – 8 .
(9) قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: علي مع الحق والحق مع علي، يدور معه حيثما دار، شرح نهج البلاغة: 18 / 72.
(10) شرح النهج: 2/ 282.
(11) الفرقان: 23 .
(12) بحار الأنوار: 67/ 198، باب 53- النيّة و شرائطها و مراتبها.
(13) ابحثوا عن كتب الأدعية المؤلّفة عبر مئات السنين، ربّما تجدونها بالمئات. وإنّني رأيت العشرات منها ما بين مطبوع ومخطوط، ولكنّ الملاحظ أنّ كتاب «مفاتيح الجنان» هو الوحيد الذي أصبح معروفاً لدرجة ربّما لا يعلم كثير من سواد الشيعة بوجود كتاب في الأدعية غيره!
(14) بحار الأنوار: 32/ 345.
(15) أدرك أبو حمزة (واسمه ثابت بن دينار) أربعة من الأئمة المعصومين سلام الله عليهم، فقد عاصر الإمام زين العابدين والإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم سلام الله عليهم، وهناك خلاف في كونه أدرك الإمام الحسن والإمام الحسين سلام الله عليهما. والمتيقّن أنّه أدرك أربعة من ذرية الحسين سلام الله عليه (أعني السجّاد والباقر والصادق والكاظم سلام الله عليهم). وهناك قول بأنّه أدرك الإمام الرضا سلام الله عليه أيضاً، لأنّ هناك روايات تقول بأنّه كان أيّام الإمام زين العابدين سلام الله عليه شابّاً وأيّام الإمام الكاظم سلام الله عليه شيخاً كبيراً.
وكان لأبي حمزة الثمالي أولاد من خيرة أصحاب الأئمة، فكانوا خيرة الأولاد ومن خيرة آباء، وهم محمد وعلي وهما ثقتان، وكان عنده ابن يسمّی حسيناً، وسبط بهذا الاسم أيضاً، ولكن اختلف علماء الرجال هل حسين هذا هو ابنه أو سبطه أم هما اثنان؛ قال العلامة المجلسي وجماعة إنّهما شخصان أحدهما ابنه والآخر ابن بنته، وكلاهما ثقتان.
(16) رجال الكشي: 33، ح61.
(17) روي عن أميرالمؤمنين سلام الله عليه أنّه قال: إتّق الله في نفسك ونازع الشيطان قيادك واصرف الى الآخرة وجهك، واجعل لله جدّك. (غرر الحكم ودررالكلم: 269 رقم 5840).
(18) فلو لم يكن الشيخ الطوسي أو الشيخ المفيد أو المحقق الحلّي مثلاً يذكرون أسماءهم على مؤلّفاتهم وكتبهم فتُعرف أنّها لهم لما اعتُمِد عليها ولا حصل الاطمئنان بها والرجوع إليها.