اللّهُمَّ صَلِّ عَلى محمَّدٍ وَآلهِ، وَاكْفِني مَا يَشْغَلُني الاِهْتِمَامُ بِه، وَاسْتَعْمِلْني بِِمَا تَسْأ لُني غَداً عَنْه،
وَاسْتَفْرِغْ أيّامي فِيما خَلَقْتَني لَه.

» ما يُشغل الإنسان

هناك أمور ومسؤوليات تقع على عاتق الإنسان، منها ما هو كفائيّ ومنها ما هو عينيّ ـ وهو مرادنا في البحث ـ . فالعينيّ هو الأمر الذي لا يسقط عن الإنسان بإتيان الغير له كالصلاة والصوم والحجّ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بعض أقسامه، والزكاة والخمس. لكن من العيني ما يكون الغرض منه التحقّق، فلو قام به شخصٌ سقط عمّن وجب عليه.
مثلاً: شخصٌ قدم من بلاد نائية إلى الحوزة العلمية من أجل تلقّي الدراسة، وبينا هو منغمس في الدراسة ومترقّب للامتحانات إذ يأتيه الخبر أنّ أباه قد ابتلي بمرض ما وأنّه بحاجة ماسّة إلى دواء يجب أن يبحث عنه مهما كلّف الأمر ويوصله إليه بأسرع ما يمكن، فهذا واجب عينيّ ولكن لا يشترط أن يقوم به المكلّف نفسه، بل يجوز أن يقوم به غيره نيابة عنه.
ههنا لا شك ّ أنّ هذا الأمر سيشغل بال هذا الطالب واهتمامه، لأنّه أوجبُ عليه حتى من تحصيل العلم بل من كلّ العبادات، لتزاحم الأمر بين ما يخشى عدم دركه؛ لفواته، وبين ما يمكن دركه؛ لعدم فواته. لذا يكون الواجب المطلوب منه تحقيق الأمر وإيصال الدواء المعيّن إلى أبيه على أيّ نحو كان، حتى لو استأجر شخصاً أو التمس من صديق أن ينوب عنه بذلك، ولا يشترط أن يقوم الطالب بالبحث عن الدواء وحمله إلى أبيه بنفسه إلا إذا انحصر الطريق به، فحينها يقوم به.
في مثل هذه الحالة إذا كان الفرد حائراً لا يجد من يكلّفه للقيام بهذه المهمّة، فهو من جهة يشعر بأن ما عرض له هو أمر لابدّ من استجابته، لأنّه واجب عليه شرعاً وعرفاً وعقلاً وعاطفة، ومن جهة أخرى يرى أنّه إن قام بالواجب بنفسه فسوف يتأخّر عن دراسته ربما لمدّة عام كامل. وبينما هو مهتمّ ومنشغل في هذا الأمر وخوف فواته، ومتأثّر لأنّه سيتأخّر عن دراسته فيما لو استجاب له بنفسه، يتّجه حينها إلى الله تعالى فيقول: إلهي أنت أدرى بنيّتي وبحالي فاكفني هذا الأمر الذي يشغلني الاهتمام به عن أمر هو الآخر محبوب لديك، وهو تلقّي العلم الذي طويت لأجله كلّ هذه المسافات، فقيّض لي من يكفني أمر استحصال الدواء وإيصاله حتى لا أنشغل بسببه عن دراستي.
ويتّفق في الأثناء أن يحصّل الدواء وأن يلاقي شخصاً من أبناء منطقته يروم السفر إليها فيوافق على إيصال الدواء، والأمر في كلا الحالين متعلّق بإرادة الله تعالى، ولذلك ينبغي للإنسان المؤمن أن يتوجّه بالدعاء إلى الله تعالى في هذه الحالات، وما أكثرها في الحياة وفي مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها، وعلى مستوى الفرد والجماعة، فإنّ الإنسان في الغالب مبتلى طيلة حياته بطريقين بينهما تزاحم، وكلاهما مهمّان، أحدهما يكون على النحو الأوّل، أي الذي لابدّ للانسان أن يقوم بأدائه بنفسه كالدراسة وطلب العلم ـ فهل يمكن أن تنيب شخصاً في الدراسة عنك ثمّ تصير عالماً؟ لا يمكن هذا بالطبع ـ والآخر على النحو الثاني الذي يمكن إيعازه إلی شخص آخر يقوم به بالوكالة و النيابة.
وبما أنّ الله تعالى مسبّب الأسباب، لذا يطلب منه الإمام سلام الله عليه أن يكفيه الأمر الذي يشغله بأيّ نحو شاء، حتی يتفرّغ للأمور الضرورية التي لابد من قيامه بذاته لأدائها، ولا ينشغل عنها بالأمور التي يمكن لغيره أن يقوم بها نيابة عنه أو أصالة، فضلاً عن الأمور التي لم يُخلق من أجلها ولا يُسأل عنها يوم القيامة.
فبعد أن طلب الإمام من الله تعالى أن يكفيه ما يشغله الاهتمام به، توجّه إليه بالسؤال مباشرة أن يعينه لكي يصرف الوقت الذي حصل له بسبب ذلك في الأمور التي سيُسأل عنها يوم القيامة.
وإذا ما عرفنا أنّ الدعاء وحده لا يكفي بل لابد للإنسان من السعي نحو ما يدعو ويسأله من الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ للإنْسَانِ إلاّ مَا سَعَى﴾(1)، كما أنّ السعي من دون الدعاء لا ينفع؛ لقوله عزّوجل: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾(2)، إذا عرفنا ذلك تبيّن لنا أنّ علينا التفكير والسعي ـ إلى جانب الدعاء ـ دائماً لأن نصرف أعمارنا في ما خلقنا الله تعالى من أجله وما هو سائلنا غداً عنه.


(1) النجم: 39.
(2) الفرقان: 77.