» العمل للآخرة

يقول الإمام صلوات الله وسلامه عليه بعد ذلك: واستعملني بما تسألني غداً عنه. أي: وفّقني لأن أتفرّغ للأعمال التي ستسألني عنها غداً. ويبدأ الغد عند كلّ إنسان من ساعة موته ويستمرّ حتى الآخرة والدار التي يقول الله تعالى عنها: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
فلا بدّ أن تحضر جواباً حين يسألك الله سبحانه وتعالى في اليوم الآخر، ومعلوم ما هي تلك المسائل التي يجب أن تعنى بها والتي ستُسأل عنها غداً. فلن تُسأل: لماذا لم تأكل الأطيب أو تلبس الأنعم أو تركب الأسرع أو تختار ما هو أغلى للعيش وأجمل؟ إني لم أر في الأدلّة الشرعية أنّا سنُسأل يوم القيامة أسئلة من هذا القبيل.
روي عن الإمام الرضا سلام الله عليه أنّه قال: «لو وجدتُ شابّاً من شبّان الشيعة لا يتفقّه في دينه لضربته»(1). وكلمة الفقه في تعابير أهل البيت سلام الله عليهم يراد بها معنى أوسع وأشمل من المعنى الاصطلاحي للفقه، لأنّه في الاصطلاح الأخير هو العلم الذي يعنى بالأحكام العملية كالعبادات والمعاملات ونحوها أمّا في المصطلح الروائي فيقصد به تعلّم كافّة مسائل الإسلام الذي تمثّل الأحكام العملية جزءاً منه.
كما أنّ قول الإمام (لضربته) تعبير مجازيّ، وإلا فلم يعهد أنّ أحداً من الأئمّة سلام الله عليهم ضرب أحداً لذلك، وإنّما استخدم الإمام سلام الله عليه هذا التعبير لبيان أهميّة هذا الأمر وأنّه مما يُسأل عنه العبد يوم القيامة.


سيرة النبي مما يُسأل العبد عنه يوم القيامة
ومن جملة ما يسأل عنه العبد المسلم يوم القيامة سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله ومدى الاقتداء به والعمل وفق ما أرشد إليه القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾(2).
بل من الواجبات علی كلّ مسلم أيضاً الدفاع عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله إزاء الذين يكذبون عليه صلی الله عليه وآله. فما أكثر المتطاولين على قداسته صلى الله عليه وآله من الذين يفترون الأكاذيب بحقّه، سواء كانوا من غير المسلمين أم من الذين يزعمون أنّهم مسلمون(3).
إنّ الاقتداء بسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله بعد معرفة سيرته هي من أهم ما نُسأل عنها يوم القيامة؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فكيف يتسنّى للمرء أن يقتدي ويتأسّى بالرسول صلى الله عليه وآله وهو لا يعرف سيرته وسنّته في كيفية تعامله مع أصحابه أو مواجهة أعدائه، وكيف كان يتصرّف مع المنافقين، وكيف كان مع أسرته؟ وهكذا في سائر المعاملات، فضلاً عن علاقته مع الله تعالى في عبادته؟ وهكذا في طريقة أكله وشربه ونومه ويقظته وصلاته وصيامه، وجميع فعاله وخصاله.
لاشكّ أنّ ما وصلنا من تاريخ النبي صلى الله عليه وآله وسيرته قليل جدّاً، بل لعلّي أستطيع القول إنّه لو جمعتم كلّ ما في كتب التاريخ والسير والآثار وغيرها لما حصلتم علی معشار سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله. لكن مع ذلك ينبغي لنا أن نصمّم على الاقتداء به صلى الله عليه وآله في كلّ ما وصلنا مهما قلّ قياساً بما لم يصلنا.
• لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله قمّة في الأخلاق حتى أنّ الله تعالى مدحه في قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾(4).
• رغم أنّ القرآن الكريم قد صرّح في مورد واحد ـ قد يكون استثنائياً ـ بخيار ضرب المرأة، إلا أنّه لم يُسمع أنّ النبي صلى الله عليه وآله قد صدر منه هذا الفعل بحقّ أيّ من زوجاته التسع، مع أنّه كانت فيهن من هي من خيرة نساء العالمين كخديجة سلام الله عليها، وكان منهنّ المتوسطات في الفضل، وكان فيهن من تظاهرت عليه، على ما صرّح به القرآن الكريم في آيات عديدة، منها قوله تعالى: ﴿وَإنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ أي تشدّ إحداكما ظهرها بالثانية فتتآزران ضدّه صلّى الله عليه وآله، ﴿فَإنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾(5). ومع كلّ ذلك لم يُنقل أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله استعمل الضرب مع أيّ من زوجاته ولا مرّة واحدة.
• ثَمّ كتاب لكاتب مسيحي طالعته قبل أكثر من عشرين سنة، أرّخ فيه لأعظم مئة شخصية في التاريخ على زعمه. وذكر في المقدّمة أنّه رتّب الشخصيات حسب الأهمية، فالشخصية الأولى في كتابه هي أعظم الشخصيات في نظره على الإطلاق. ولكن الملفت للانتباه أنّه أورد اسم السيّد المسيح بعد نبيّنا صلى الله عليه وآله! وعندما سئل عن السبب مع كونه رجلاً مسيحياً، قال: أنا لم أرتّب التسلسل حسب عقيدتي بل حسب أهميّة الأشخاص ونجاحهم، وإنّي أرى أنّ محمداً أعظم من السيّد المسيح عليه السلام لأنّ محمّداً صلى الله عليه وآله استطاع أن يبثّ في أتباعه روحاً امتدّت عبر القرون المتعاقبة، وكلّما ضعف الإسلام في الدنيا كان هناك أشخاص من أتباعه ممن اتّصلوا بتلك الروح العظيمة يقومون بتجديد الإسلام.
ولعلّ هذا يتطابق مع ما ورد في الأحاديث النبوية كما في قوله صلّى الله عليه وآله: «يَحْملُ هَذَا الدِّينَ في كُلِّ قَرْن عُدُولٌ يَنْفُون عَنْهُ تَأويلَ الْمُبْطلينَ وتحْريفَ الْغَالينَ وانْتحَالَ الْجَاهلينَ كَمَا يَنْفي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَديد»(6).
إذاً ينبغي أن يتجسّد فينا معنى التأسّي الحقّ برسول الله صلى الله عليه وآله. والاجدر للمتأسّي برسول الله أن يتصرّف كما لو كان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يشهده ويراه، لا كما يحلو له وما تملى عليه شهواته أو كما توجّهه بيئته فيميل يميناً ويساراً، ولا أن يبتدع سلوكاً من عنده، بل عليه أن يطبّق سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله بحذافيرها.
روي أنَّ جَمَاعَةً منَ الصَّحَابَة كَانُوا قَد حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ النِّسَاءَ والإفطَارَ بالنَّهَار والنَّوْمَ باللَّيْلِ. فَأَخْبَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّه صلّى الله عليه وآله، فَخَرَجَ إلى أَصْحَابه فَقَال: «أ تَرْغَبُونَ عَنِ النّسَاء؟ إنّي آتِي النّسَاءَ وآكُلُ بِالنَّهَارِ وأَنَامُ باللَّيْلِ. فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ منّي»(7).
لو عُرضت سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله على العالم بنحو موضوعي جادّ، لأقبل عليها الملايين، لأنّ الناس في الغالب غير معاندين. وأكثر المعاندين لم يكونوا كذلك إلا على أثر غسل الدماغ الذي تعرّضوا له بسبب الكمّ الهائل من المواضيع المختلفة المدسوسة؛ ومسؤوليتنا تفرض علينا المساعدة في تطهير هذه الأدمغة من تلك الرواسب العالقة بها.
نقل لي أحد الأصدقاء قال: وجّه شخص عبر الشبكة المعلوماتية (الإنترنت) نقداً لاذعاً لبند من بنود الإسلام، وترك عنوان بريده (الإلكتروني) للردّ عليه، وكان نقده مصحوباً بالسبّ والشتائم، فانبرى له أحد المؤمنين في الردّ عليه ردّاً علمياً موضوعياً خالياً من التجريح ومستنداً إلى المصادر. يقول راوي القصة: فكتب الأول في اليوم الثاني جواباً يبيّن فيه أنّه يعتذر عما بدر منه في هذا المجال لأنّه كان قد تشوّش فكره بسبب تلك الإثارات الفاسدة، وأنه لم يكن يعرف الموضوع حقّ معرفته!
فما أكثر أمثال هؤلاء وما أعظم مسؤوليتنا في هذا المجال!
لقد أسّس السيّد البروجردي رحمه الله مركزاً إسلامياً في هامبورغ في ألمانيا، وبعث مبلّغاً دينياً هناك. فطُلب من هذا المبلّغ أن يعطيهم صورة للسيد البروجردي لعرضها من خلال التلفزيون. ففكر المبلّغ أيّ صورة ستكون مؤثّرة أكثر لو عرضت، وانتهى تفكيره إلى أن يعطيهم صورة السيّد وهو يتوضّأ؛ لما تعكس من خشوع السيّد حال تهيّئه للقاء الله تعالى في الصلاة.
يقول هذا المبلّغ: ما إن عرض هذا الفيلم ـ الذي يصوّر وضوء السيّد البروجردي ـ حتى أثار في نفوس المشاهدين روح الحبّ والولاء، فأسلم في اليوم نفسه عددٌ من النصارى ممن شاهدوا الفيلم.
فإذا كان هذا تأثير مشاهدة صورة وضوء السيّد البروجردي وهو بمثابة أصغر تلميذ للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله فكيف بالتأثير الذي تتركه سيرة النبي صلّى الله عليه وآله فيما لو عرضت بصدقٍ على الناس؟!
فلنتزوّد بمعرفة السيرة الصحيحة لنبيّ الإسلام بمقدار ما أوتينا من طاقة وإمكانات، ولنسعَ لإفهام الآخرين وتنويرهم بها؛ فإنّه لو عرضت السيرة الصحيحة لنبيّ الإسلام على العالم لغيّرت التاريخ برمّته. وما أسرع تغيّر العالم في هذا الزمان!
نسأل الله تعالى أن يستعملنا بما يسألنا غداً عنه، وأن يوفّقنا للمزيد من معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وآله والتأسّي به.


(1) بحار الأنوار: 75 / 346.
(2) الأحزاب: 21.
(3) لقد رأيت أخيراً كتاباً لأحد المستشرقين مترجماً في إحدى البلاد الإسلامية، وكانت الترجمة مطبوعة عدّة طبعات حتى أنّ النسخة التي حصلت عليها كانت من الطبعة السابعة أو الثامنة! يختلق الكاتب على رسول الله صلى الله عليه وآله أموراً ما تُنبئ عن استمرار النفَس اللاأخلاقي الذي كال التهم لأنبياء الله ورسله من قبل، مع أنّ كلّ كتب التاريخ بما فيها كتب المنصفين من المستشرقين تشهد أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله هو أطهر إنسان خلقه الله. فمن الذي يجب أن يتصدّى للردّ على مثل هذه التخرّصات، خصوصاً وهي تحدث في بلد إسلامي وتشجِّع عليه، حتى أنّها طبعت هذا الكتاب وفي مدينة واحدة من مدنها أكثر من سبع طبعات.
(4) القلم: 4.
(5) التحريم: 4.
(6) وسائل‏ الشيعة: 11 / 150.
(7) وسائل ‏الشيعة: 20 / 21 باب كراهة العزوبة وترك التزويج.