» التفرّغ لعبادة الله تعالى

قال الإمام سلام الله عليه بعد ذلك: «واستفرغ أيّامي فيما خلقتني له».
الاستفراغ على وزن استفعال، والأصل في هذا الباب الطلب أو ما يقع نتيجة الطلب، ولکن تقدم أنّه قد يستعمل بمعنی الثلاثيّ المجرّد، وقد ورد کثيراً هذا النحو من الاستعمال في القرآن الکريم أيضاً، ويکون معناه يا إلهي أنت تولّ هذا الأمر واکفنيه.
والاستفراغ مشتقّ من الإفراغ، فکأنّ الإمام سلام الله عليه يقول: اللهم اجعل أيّامي فارغة من کلّ أمور الدنيا لملئها بما خلقتني له. وهذا تعبير مجازيّ. فالإمام سلام الله عليه يشبّه الأيّام بالإناء الذي تفرّغه من محتوياته من أجل أن تملأه بما تحبّ.
وهذه الجملة ليست تکراراً للجملة السابقة، أي قوله سلام الله عليه: واستعملني بما تسألني غداً عنه؛ وذلك للأمور التالية:
1. اختلاف الظهور بين الجملتين.
2. ظهور واو العطف في الاثنينيّة؛ توضيحه: إذا قيل: جاء زيد وأبو عمرو، فالمتبادر أنّ شخصين جاءا أحدهما زيد والآخر أبو
عمرو، فهذا هو الاستعمال الحقيقي للواو، ولا يقال إنّ الجائي واحد إسمه زيد وکنيته أبو عمرو إلا أن يکون مجازاً وليس استعمالاً حقيقياً . وهنا أيضاً طلبان عطف الإمام فيهما الثاني علی الأوّل بالواو، فقال سلام الله عليه أوّلاً: «استعملني بما تسألني غداً عنه»، ثمّ عطف الطلب الثاني فقال: «واستفرغ أيّامي فيما خلقتني له». وإذا کان واو العطف يفيد الاثنينيّة، أي له ظهور فيها، فالظاهر أنّ الإمام سلام الله عليه أراد هنا أمرين، فلا تکرار في البين.
3. إنّ السؤال لا يکون إلا عن الواجبات والمحرّمات، أمّا فيما عداهما فقد يکون هناك إستفسار، هذا أوّلاً، وثانياً: قوله سلام الله عليه فيما خلقتني له، أعمّ من الواجبات والمحرّمات، فيکون معنی هذه الجملة کالتالي: (يا إلهي أنت خلقتني في هذه الدنيا لهدف ما، فأفرغ أيّامي له)، فيما يکون معنی الجملة السابقة: (ياإلهي إنّك ستسألني يوم القيامة عن أمور، فاجعلني في هذه الدنيا عاملاً لها ملتزماً بها).


الهدف من الخلق
إذا کان الإمام سلام الله عليه يعلّمنا أن نسأل الله تعالی أن يفرّغ أيّامنا فيما خلقنا له، فما هو الهدف الذي خلقنا الله من أجله؟
يقول الله تعالی في محکم کتابه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾(1)؛ إذن الهدف من خلقنا هو عبادة الله تعالی. وعبادة الله تعالى تتحقّق من خلال الامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه. ومن المعروف لدى الفقهاء أنّ الأوامر الإلهية منها ما هو واجب الامتثال على العبد، ويعاقب تاركه، ومنها ما هو مستحبّ، أي ندب إليه الشرع، فهو مرغوب شرعاً ولكن لا يعاقب الشارع على تركه. وهكذا النواهي الشرعية فمنها ما يجب على المكلَّف اجتنابها ويعاقب إن ارتكبها، وهي التي تسمّى المحرّمات، ومنها ما لا يعاقب الشرع من أتى بها وإن كانت غير مرغوبة لديه وهي التي يصطلح عليها بالمكروهات.
ومن الواجبات الشرعية الأمر بالمعروف، أي الأمر بما رغب الشرع فيه، والنهي عن المنكر، وهو ما أنكره الشرع. وهذان الواجبان من الواجبات المهمّة والعظيمة في الإسلام، ولا خلاف في أصل وجوبهما.
ولكن وقع بحث بين الفقهاء مفاده: هل المقصود بالأمر بالمعروف هو الأمر بالواجب من المعروف فقط دون المستحبّ منه؟ وهكذا النهي عن المنکر بحيث لا يجب النهي عن المنكر المکروه أيضاً، ويقتصر الوجوب على النهي عن المنكر الحرام؟
شکّك بعض الفقهاء في إطلاق المسألة، وقالوا: إذا کان الأمر بالمستحبّ والنهي عن المکروه من باب حثّ الفرد وترغيبه في أداء العمل المستحبّ وثنيه عن العمل المکروه فقط فهما مستحبّان لاشكّ في ذلك، أمّا إذا كانا ـ الأمر والنهي ـ من باب بيان حکم من أحکام الله تعالی، فقد يدخلان في الوجوب.
فمثلاً: اذا کان شخص عالماً باستحباب صلاة الغفيلة أو صلاة الليل، ولا يؤدّيهما تثاقلاً، فأمره بهما مستحبّ کما هو واضح، وهکذا نهي من کان عالماً بکراهية فعل من الأفعال، ولکن قد يجب الأمر والنهي ـ برأي بعض الفقهاء ـ إذا کان الآمر بالمستحبّ أو الناهي عن المکروه في موقع بيان أحکام الله تعالى وتعريفها للذين يجهلونها.
ولأصحاب هذا الرأي أدلّتهم في هذا المجال وليس هنا محلّ بحثها، ولکني ذکرتها استطراداً في بيان أنّ الهدف من خلقنا هو عبادة الله تعالی، وهذا أعمّ من أن تکون هذه العبادة امتثالاً لواجب أو مستحبّ أو انتهاء عن حرام أو مكروه، لاشتمالها على کلّ ما أمر الله أن يؤتى به سواء کان أمراً بواجب أم مستحبّ، أو كان نهياً عن محرّم أم مكروه.
ولذلك عقّب الإمام عليه السلام بقوله: «واستفرغ أيّامي فيما خلقتني له».


أفضل العبادة
روی البزنطي(2) أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال: «أفضل العبادة إدمان التفكّر في الله وفي قدرته»(3).
لاشكّ أنّ المقصود ـ في الرواية ـ بالتفکّر في الله تعالی هو التفکّر في قدرته عزّ وجلّ(4)، فإنّ التفکّر في ذاته ـ فضلاً عن النهي عنه شرعاً ـ لا يوصل إلی نتيجة ولا يزيد صاحبه إلا ضلالاً، وذلك لأنّ المحاط به لا يمکن أن يحيط بمحيطه کما هو الحال في المسائل المادّية، ويمکن تقريب الأمر إلی الذهن بمثال الإناء، فهل يمکن لمحتواه أن يحيط بمحيطه الخارجي؟!
إذاً المقصود بالتفکّر في الله تعالى هو التفکّر في صفاته الثبوتية والسلبية، بمعنى التفكّر في عظمته تعالی.
وهذه الرواية تنسجم مع الروايات الکثيرة التي تقول: «لَيسَ الْعبادةُ كَثْرةَ الصِّيام والصَّلاة وإنَّمَا الْعبادةُ الْفكْرُ في اللَّه تَعالى»(5).
ثمّ إنّ الرواية المتقدّمة في کون «الإدمان علی التفکّر أفضل العبادة» ناظرة الی العبادات المستحبّة إذا حصل بينها تزاحم، ولا تصل النوبة الی العبادات الواجبة ومنها الصلاة المفروضة بحال . نعم اذا حصل تزاحم بين أداء صلاة مستحبّة والتفکّر في الله فالتفکّر مقدّم لأنّه أفضل العبادات المستحبّة.
علی أنّ التفکّر لا يشترط فيه وقت کثير بل هو بحاجة إلی ترکيز وتدبّر، فإذا کثر التدبّر والترکيز حصلت عند الإنسان ملکة تجعله يشعر بحضور الله تعالى دوماً، ولذلك روي أنّ «أشدّ العبادة الورع»(6).


بناء النفس والتفكّر في الله عزّ وجل
الإنسان ضعيف ولکنّه لا يشعر بضعفه فيتکبّر ويتهاون بأحکام الله تعالى، فقد يترك ما أمر الله تعالی به أو يأتي بما نهى عنه سبحانه، ولکنّه إذا أدمن التفکّر في جبروت الله وقدرته، استحضر حينها ضعف نفسه، وفي هذا مقدّمة لأن يسعى المرء في سبيل أداء التکاليف الإلهية.
وعلی قدر معرفة الانسان بالله تعالى وقدرته يکون اهتمامه بأحکام الله، فالذي لا يبالي بالقيام لأداء فريضة الصبح مثلاً، غير متفکّر في الله تعالى وقدرته، وإلاّ لشعر بحضوره ورقابته ولما استهان بأحکامه، وإلا فهل يعقل أن يشعر العبد بحضور مولاه ثمّ لا يکترث بما أراده منه؟!
إنّ التفکر في الله عزّ وجلّ يؤدّي إلی تعزيز الشعور بحضوره تعالی لدى العبد، الأمر الذي يؤدّي بدوره إلی تغيّر سلوك الانسان وحالته، فيكون الأمر كما لو وُجّه إلی إنسان عاديّ سؤال في مجال معيّن- ولنفرض الفقه أو الطبّ ـ وکان قد حضر في المجلس رجل متخصّص في ذلك المجال، فقد يجيب الشخص علی السؤال بسرعة إذا لم يکن يعرف من الحاضر في المجلس، ولکنه ما إن يعرف الحاضر المتخصص حتی يظهر ذلك علی سلوکه فيحاول أن لا يجيب لأنّه لا يری نفسه أهلاً للإجابة علی ذلك السؤال مع علمه بحضور من هو أعلی مرتبة منه، أو يدقّق کثيراً قبل أن يجيب، ملاحظة لذلك الإنسان المتخصّص. الحالة نفسها تصدق علی انضباط الانسان إذا شعر بحضور الله تعالی، وهذا الشعور لا يتأتّى إلا بعد الإدمان علی التفکّر في قدرة الله سبحانه وتعالى.
إذا کان الفرد يشعر بأن الله تعالی موجود قيّوم حاضر عنده علی الدوام، فإنّه لا شك سيغيّر وضعه ويدقّق في أفعاله وأقواله ويتورّع قبل الاسترسال فيها لئلاّ يصدر عنه ما يخالف أوامر الله وهو الرقيب عليه.


أمثلة من الواقع
• نقل لي أحد الخطباء: کنت ذات يوم علی المنبر وقد هيّأت نفسي للمحاضرة، وعندما شرعت بقراءة المقدّمة إذ دخل أستاذي الى المجلس، فاختلّ حينها عرضي للموضوع الذي أعددته، بسبب تهيّبي من حضور الأستاذ!
• وکان السيّد الوالد(7) رحمه الله يحضر مجلساً لأحد الخطباء، فجاءه في أحد الأيّام ـ وکنت حاضراً عنده ـ وقال له: سيّدنا أنا أتشرّف بحضورك مجلسي، ولکن أرى من الأفضل أن يتزامن وقت حضورکم مع نهاية المجلس حيث أکون قد دخلت في فصل قراءة التعزية!
لاشكّ أنّ الخطيب يُسرّ إذا حضر مرجع التقليد مجلسه، ولکنّه في الوقت نفسه يشعر بالتقيّد أيضاً، لأنّه قد يريد أن ينقل حديثاً أو يفسّر آية، أو يشرح مسألة فقهية أو يفصّل قضية عقائدية، فيشعر بالحرج والإرباك مخافة أن لا يکون کلامه مستدلاًّ بنحو صحيح.


النعم المادّية وسيلة اختبار ومقدّمات وجود
في الوقت الذي تعدّ فيه النعم الماديّة وسيلة لاختبار الإنسان ليُعرف أمفْرِط هو أم مفرّط، كذلك هي مقدّمات لابدّ من وجودها لکي يستطيع الانسان العيش في هذه الدنيا وأداء وظائفه الموکلة إليه، فيعبد الله عزّوجلّ ويتعلّم أحکامه ويعلّمها الناس، فيدرس ويدرّس ويعظ الناس ويؤلّف الکتب ويرتقي المنبر و. . . الخ
إنّ الله سبحانه وتعالی لم يخلق الانسان في هذه الدنيا من أجل الأکل والشرب وسائر اللذات الدنيوية، وإنّما خلقه تعالی من أجل اختباره بها وجعلها مقدّمات وجودية لأجل أن تمکّنه من أداء الأمور الأخری التي خلقه الله تعالى لها، لکن الشيطان يحاول دائماً أن يوقع الانسان في الإفراط أو التفريط ليفشله في الاختبار الإلهي بواسطة عرقلته عن الاستفادة منها کمقدّمات وجوديّة للعبادة، أي لا يستفيد منها بالنحو الصحيح، فيرتکب من خلالها المعاصي ويترك الطاعات.
فلننتبه جيّداً ولنحذر وساوس الشيطان ومکائده، ونتعامل مع هذه النعم علی أنّها مقدّمات لإيصالنا إلی النعم الأخروية الخالدة التي خلقها الله لعباده المؤمنين، ولنراعِ الدقّة في قضايانا، وهذا معنی ما نُقل عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنّه قال لأصحابه: «فالطفوا في حاجتي كما تلطفون في حوائجكم»(8).
فکما أنّ أحدنا يلطف في سبيل قضاء حوائجه الدنيوية، فيفکّر في أفضل طريق ويسعی في رفع الموانع والعوائق، ويترك أعماله وأشغاله ويتحمّل أنواع المشاکل والمشاقّ في سبيل ذلك، فلنکن کذلك في الاستجابة لإمامنا التي عبّر عنها بحوائجي، والتي هي حوائجنا الأخروية.


(1) الذاريات: 56.
(2) هو أحمد بن محمد بن أبي نصر، من أصحاب الإمام الكاظم والإمام الرضا سلام الله عليهما وقيل: إنّه أدرك الإمام الجواد سلام الله عليه أيضاً. وهو أحد ثلاثة أشخاص ثانيهما محمد بن عمير، والثالث صفوان بن يحيی، انعقد إجماع الفقهاء علی العمل برواياتهم.
(3) بحار الأنوار: 68 / 321. روی الکليني رحمه الله في الکافي رواية بسندين معتبرين عن البزنطي، في سلسلتها عبارة «عن بعض رجاله» وهذا معناه أنّ أحد الرواة مجهول، ولکن الشيخ الطوسي رضوان الله عليه ذکر أنّ إجماع الطائفة جری علی العمل بما رواه البزنطي إلا ما خرج بدليل. وهناك روايات کثيرة بهذا المضمون ولکن إن قلنا إنّ بعضها غير معتبر سنداً فهذه الرواية معتبرة سنداً؛ لما تقدّم.
(4) قال المجلسيّ رحمه الله: bوفي قدرتهv عطف تفسيري لقوله bفي اللهv فإنّ التفكّر في ذات= = الله وكنه صفاته ممنوع. (بحار الأنوار: 68/ 321 ح3).
(5) وسائل‏ الشيعة: 15 / 197 باب استحباب التفكر.
(6) الكافي: 2 / 77، ح5.
(7) إشارة الى آية الله العظمى السيّد ميرزا مهديّ الحسيني الشيرازي قدّس سرّه.
(8) الكافي: 2 / 222.