وَأغْنِني وَأوْسِعْ عَلَيَّ في رِزْقِكَ، وَلا تَفتنّي بِالنَّظَرِ
وَأعِزَّني وَلا تَبْتَلِِيَنّي بِالْكِِبَرِ، وَعَبِّدْني لَكَ وَلا تـُفْسِدْ عِبَادَتي بِالْعُجْبِ، وَأجْرِِ لِلنَّاسِ عَلَى يَدِيَ الخَيرَ وَلا تـَمْحَقْهُ بِالمَنِّ، وَهَبْ لي مَعَاليَ الأخْلاَق وَاعْصِمْني مِنَ الفَخْرِ.

» الغنى وسِعةُ الرزق

«وأغنني وأوسع عليّ في رزقك».
الغنی ويقابله الفقر، قد استعملا غالباً على لسان الأدعية والروايات لما هو الأصل فيهما، وهو غنی النفس وفقرها؛ فغنی النفس أصل کلّ غنی وسببه، ومبعث غنی کلّ حواسّ الإنسان ومعقولاته، ولا خير في غنی البدن إذا لم يصاحبه غنی النفس.
أمّا السعة في الرزق فهو جزئيّ أو مصداق من مصاديق الغنی. ومن ثمّ فإنّ قول الإمام سلام الله عليه «أوسع عليّ في رزقك» في المقام هو من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ، لأنّ الغنى أعمّ وأوسع.
أمّا احتمال أن يكون قوله «وأوسع عليّ» عطفاً تفسيرياً علی «وأغنني»، وإن صحّ في موارد أخری فإنّه قد لا يصحّ هنا كما يبدو؛ لبعده عن مقام البلاغة والأدب الرفيع لأهل البيت سلام الله عليهم؛ لأنّ الظاهر أنّ السؤال الأوّل للإمام هو في غنی النفس، أمّا سؤاله الثاني فهو في سعة الرزق خاصّة. والإمام وإن كان في مقام الدعاء، لكن من حيث إنّه إمام فهو في مقام تعليمنا أيضاً، فهو يعلّمنا أن نطلب من الله تعالى غنی النفس والسعة في الرزق معاً؛ لما سيأتي أنّ الفقر ليس مطلوباً أو ممدوحاً لنفسه بل علی الإنسان أن يسعی لدفعه عن نفسه ما أمكنه ذلك، أمّا إذا كان مقدّراً له من الله عُدّ حينها أمراً محبوباً، وفي ذلك وردت الروايات التي تمدح الفقر؛ فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: الفقر فقران: فقر الدنيا وفقر الآخرة، فقر الدنيا غنى الآخرة، وغنى الدنيا فقر الآخرة، وذاك الهلاك(1). وإذا كان الأمر كذلك فلا يهمّ المرء سواء كان مرزوقاً في ماله أم فقيراً ما دامت نفسه غنيّة، فهو في الحالين في معرض الامتحان والابتلاء، وكلا الامتحانين صعب سواء كان في الغنی أو الفقر.
هذا مضافاً إلی أنّ كلمة الرزق استعملت هي الأخری في الروايات للأعمّ من المال.


الغنى والفقر درجات
الغنی والفقر موضوعان مشكّكان ـ بحسب الإصطلاح المنطقي ـ أي لكلّ منهما مراتب مختلفة تبدأ بالضعيفة ثمّ تزداد وصولاً إلی أعلی المراتب.
عن عبد الله بن مسعود قال: دخلت أنا وخمسة رهط من أصحابنا يوماً على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أصابتنا مجاعة شديدة ولم يكن رزقنا منذ أربعة أشهر إلا الماء واللبن وورق الشجر؛ فقلنا: يا رسول الله إلى متى نحن على هذه المجاعة الشديدة؟ فقال صلى الله عليه وآله: «لا تزالون فيها ما عشتم فأحدثوا لله شكراً، فإنّي قرأت كتاب الله الذي أنزل عليّ وعلى من كان قبلي فما وجدت من يدخلون الجنّة إلا الصابرون»(2).
فهذه مرتبة شديدة من الفقر بحيث لا يملك الفرد قوت يومه حتى في أدنى مستويات المعيشة، وهناك مرتبة أضعف منها بأن يملك الإنسان قوت يومه ولكن بمستوى دان أو بمقدار لا يكفيه كما أنّ هناك مرتبة من الفقر يكون مستوى الفرد أحسن من سابقيه لكن لا يملك قوت سنته. فهؤلاء الثلاثة يطلق على كلّهم لفظ الفقير بالاصطلاح الشرعي وإن اختلفت مستوياتهم المعاشية. والشيء نفسه يصدق بالنسبة للغنى، لأنّ الفقر والغنى متقابلان كما هو واضح.
من هنا نلاحظ أنّ الإمام المعصوم ـ مع أنّه متّصل بالله تعالى وهو مصدر الفيض والعطاء ـ مهما أعطاه الله سبحانه من الغنی في النفس فهو يطلب المزيد قائلاً: «وأغنني»، لأنّ الأمر لا يقف عند حدّ، فهناك مجال للمزيد، وعطاء الله تعالی ليس محدوداً أيضاً.
أجل، إنّ المعصومين سلام الله عليهم هم أكثر المخلوقات قاطبة استفاضةً لفضل الله تعالی في مختلف المجالات والميادين، حتى قرنهم الله تعالى إلى نفسه في إفاضة الفضل على الخلق أجمعين، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسبُنَا اللهُ سَيُؤْتينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾(3) وقال أيضاً: ﴿وَمَاَ نَقَمُوا إلاّ أنْ أغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾(4) ومع ذلك، يرى الإمام المعصوم أنّه بحاجة إلی عطاء الله تعالی وإلی سؤاله المزيد واستزادته في غنی النفس، وإن كان هو بالنسبة إلينا الأغنی والأرقی والأعظم والأعلی والأكبر والأقدر، وذلك كلّه قد تمّ لهم صلوات الله عليهم بفضل الله تعالى. فإذا كان هذا حالهم فكيف بسائر الناس؟


نكتة لغوية
من يدقّق في كلمات أهل البيت سلام الله عليهم يكتشف الكثير من الدقائق واللطائف سواء في الأدعية أو في خطبهم ورسائلهم وفي سائر كلماتهم الأخری.
ففي هذا المجال والذي عبّر عنه سلام الله عليه بالرزق، أرى من المناسب الإشارة إلی نكتة لغوية لطيفة، تتلخّص بأنّ الإمام لماذا لم يقل: «وسّع عليّ في رزقك» وقال: «أوسع عليّ في رزقك»؟
وفي الجواب نقول: إنّ من مبادئ علم الصرف في صيغتي «فعِّل» و«أفعِل» أنّ كليهما يستفاد منه لتعدية الفعل اللازم، ولكن علماء الأدب يقولون: إنّ الصيغتين تختلفان في المعنی.
فأصل التوسعة يستفاد من باب الإفعال (أوسع) أمّا باب التفعيل (وسّع)، فيستفاد منه التكثير والزيادة وما أشبه في الغالب(5).
فالمستفاد من كلمة (وسّع) يعني زيادة التوسعة. أمّا أصل تحقيق السعة إن لم تكن ـ أو كانت ولكن لندرتها الشديدة وكأنّها لم تكن ـ فتفيدها كلمة (أوسع).
إذا اتّضحت هذه المقدمة نفهم لماذا قال الإمام سلام الله عليه: «أوسع» ولم يقل: «وسّع»، وهو أنّه سلام الله عليه يطلب الكفاف من الله تعالى في الأمور المادّية، كما هو دأب أهل البيت سلام الله عليهم.
كما روي عن رسول اللهِ صلى الله عليه وآله أنّه قال: «إِنَّ مَاقَلَّ وكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وأَلْهَى، اللَّهُمَّ ارْزُقْ مُحَمَّداً وآلَ مُحَمَّدٍ الكَفَاف»(6).
أما ما ورد في أدعية أُخری من السؤال بصيغة (وسّع)، فقد يشير إلى أنّ المعصوم سلام الله عليه كان يطلب السعة في الرزق لأجل أن يستفيد منه لخدمة الدين وسائر الأمور الخيرية، كصلة الرحم ومساعدة الفقراء وما أشبه.
إنّ هناك موارد يدعو فيها الإمام المعصوم ويكون في مقام الدعاء من قبل نفسه فقط، وهناك موارد يكون الإمام بصدد تعليمنا وإرشادنا أيضاً من قبيل تعليم الأئمة سلام الله عليهم المباشر لبعض أصحابهم، كقولهم سلام الله عليهم مثلاً: (قل بعد كلّ فريضة) وما أشبه، كما هو الحال في بعض الزيارات. فثمّة زيارات أدّاها الإمام المعصوم للإمام الذي سبقه كزيارة الإمام السجّاد لأبيه الإمام الحسين سلام الله عليهما أو زيارة الإمام الصادق لجدّه الإمام أميرالمؤمنين أو الإمام الحسين سلام الله عليهم، وهناك زيارات علّموها بعض أصحابهم، فنقرأ في رواية أنّ الإمام سلام الله عليه قال لأحدهم: زر بهذه الزيارة، وأمثال ذلك(7).


نكتتان بلاغيّتان
هناك نكتتان بلاغيتان في قول الإمام، الأوّل قوله: «وأوسع عليّ»، فإنّ حرف الجرّ «علی» يستعمل للضرر إلا لنكتة بلاغية، فكأنّ الإمام أشربه وضمّنه معنی الفوقية. فهو يصوّر نزول الرزق من الله تعالى وانصبابه علی الإنسان وإحاطته به، كالرحمة التي مُثِّل لها بالمطر النازل من السماء حين يغمر الانسان الذي يقف تحته، وحيث إنّ سعة الرزق صادرة من الله تعالی فقد ضُمّنت وأشربت معنی الفوقية، ولذلك قال الإمام سلام الله عليه: «وأوسع عليّ».
أمّا النكتة الأخری فهي: لِم استعمل الإمام حرف الجر «في» فقال: «وأوسع علي في رزقك» ولم يقل: من رزقك، كما في أدعية أُخری؟
الجواب: حرف الجر (مِن) إمّا تبعيضية أو بيانية. فلو رفعنا «في» ووضعنا «مِن» مكانها، فإمّا أن يكون المعنی «أوسع عليّ بعض رزقك» أو «أوسع عليّ رزقك» لأنّ وجود (من) في الحالة الثانية يكون وجوداً لمحيّاً أو لجمال التعبير، أمّا من حيث المعنی فوجوده وعدمه سواء.
أمّا مع وجود (في) فكأنّ الرزق جُعل ظرفاً ووعاء يعيش فيه الإنسان، والإمام سلام الله عليه يطلب من الله تعالی أن يوسّعه عليه، فلو كان متراً مربّعاً مثلاً يجعله مترين، ولو كان ثلاثة يجعله عشرين وهكذا. وهذا أبلغ مما لو قال: «من رزقك».
وهكذا يتبيّن لنا أنّ الأئمة سلام الله عليهم مع أنّهم كانوا منصرفين كُلّ الانصراف إلی الله سبحانه وتعالی، خاصّة عند مناجاتهم معه، نراهم في الوقت نفسه لا تفوتهم هذه الدقائق البلاغية، دون أن تصرفهم عن توجّههم إلی الله عزّ وجلّ. وكيف لا يكونون كذلك وهُم أمراء الكلام وأرباب البلاغة، كما أنّ شعورهم بحضور الله تعالى لا يختلف ولا يتخلّف، إلا أنّنا بحاجة إلی تأمّل وتفكّر من أجل الالتفات إلی هذه الدقائق والتدبّر في مضامينها.


دواعي الفقر
تطالعنا روايات كثيرة تمدح الفقر وأُخری تذمّه، وإن كان هذا يبدو تناقضاً أو تعارضاً للوهلة الأولی، إلا أنّه بلاشكّ لا تناقض ولا تعارض في البين لأنّ الموارد تختلف.
فهناك كثير من الآيات والروايات التي تحثّ وتندب وأحياناً توجب وتفرض علی الإنسان السعي والعمل من أجل الحصول علی الرزق، وأن يعمل الناس ليكسبوا أرزاقهم، كلّ حسب سعته ومقدرته، الأمر الذي يكشف أنّ الفقر في أصله مذموم، لأنّ السعي والعمل يوجبان تحديد الفقر أو طرده.
أمّا إذا بذل الفرد كلّ ما بوسعه ولكنّه مع ذلك لم يغنَ، إمّا لضعف مواهبه وإمكاناته أو لأمور أُخرى مقدّرة أبقته فقيراً، فهذا الفقر ليس مذموماً البتّة، وهو مورد الروايات التي يُفهم منها المدح.
أمّا إذا قصّر الفرد في السعي ولم يخرج إلی العمل وبقي فقيراً لذلك، فهذا هو الفقر المذموم، الذي قيل عنه أنّه: سوادٌ في الدارين، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله : «ملعون من ألقى كَلّه على الناس»(8). وهناك رواية أُخری فيها توكيد: «ملعون ملعون من ألقى كَلّه...»(9).
نُقل أنّ أحد العلماء مرّ بفقير مفترشٍ الأرض يستعطي الناس، فقال له : مدّ يدك لأعطيك مقداراً من المال، فمدّ الشخص يده واستلم المال. فقال له العالِم: مدّ يدك الأخری واستلم مقداراً آخر، ومدّ الشخص يده الأخری واستلم المال. ثمّ قال له العالِم: هناك مقدار آخر، مُدّ إحدی رجليك لأناوله لك. وهكذا فعل المستعطي. ومرة أُخری طلب العالِم منه أن يمدّ رجله الأخری وأعطاه مقداراً آخر. وأخيراً قال له: قم وقف علی قدميك وتقدّم نحوي لأُناولك آخر ما تبقّی من المال. وهكذا كان. وهنا توجّه العالِم إليه وقال له: إذا كانت يدك اليمنی سالمة ويدك اليسری كذلك، وهكذا قدماك وبدنك، فلماذا تستعطي إذاً؟ اذهب وكدّ في طلب الرزق!
قال الإمام الباقر سلام الله عليه: سأل موسى عليه السلام ربّه: أيّ عبادك أبغض إليك؟ فقال: «جيفة بالليل بطّال بالنهار»(10).
ويمكن أن يكون لهذا الحديث مصاديق متعدّدة المراتب ـ فليس الأمر دائراً بين الوجود والعدم ـ فقد يكون من المصاديق من هو كلّ الليل جيفة وكلّ النهار بطّال، فلا تأمّل عنده ولا استغفار ولا تفكّر في الليل، ولا كسب ولا عمل ولا جهاد في النهار، وهذا أبغض المراتب. ومنهم من هو بعض الليل جيفة وبعض النهار بطّال.
إنّ الراحة مطلوبة للإنسان سواء في الليل أو في النهار، كما في الحديث النبويّ الشريف: «وإنّ لنفسك عليك حقّاً»(11). وهذه الراحة بالمقدار المطلوب لا تعدّ من البطالة أصلاً بل هي مطلوبة للتقوّي بها علی العمل والعبادة. أمّا ما عدى ذلك فلا ينبغي للإنسان أن يضيِّع حتی دقيقة واحدة من حياته.
عَنْ زُرَارَةَ قَال: إنَّ رَجُلاً أَتَى أَبَا عَبْدِ الله الصادق عليه السلام فَقَال: إنِّي لا أُحْسنُ أَنْ أَعْمَلَ عَمَلاً بيَدي ولا أُحْسنُ أَنْ أَتَّجرَ وأَنَا مُحَارَفٌ مُحْتَاجٌ. فَقَال: «اعْمَلْ فَاحْمِلْ عَلى رَأسك (أي اعمل حمّالاً) واسْتَغْنِ عَنِ النَّاسِ»(12).
فالفقير الذي لا يعمل وهو قادر علی العمل هو الذي يقال عن فقره أنّه: (سواد في الدارين) أمّا أولئك الذين لا يتكاسلون ولا يتقاعسون عن الجدّ والاجتهاد والسعي والعمل، وهم مع ذلك فقراء فأولئك المقرّبون عند الله تعالى ويدخلون الجنّة قبل الأغنياء في يوم القيامة.
روي أنّ النبي صلى الله عليه وآله دعا فقال: «اللهم إنّي أعوذ بك من الكفر والفقر». فقال رجل: أيعدلان؟ قال صلى الله عليه وآله: نعم(13).
إذاً الفقر في نفسه مذموم لدرجة أنّ النبي صلى الله عليه وآله يتعوّذ منه ويقرنه بالكفر في دعاء واحد، ومنه يظهر أنّ الفقر قد يؤدّي إلی الكفر، كما في الحديث النبويّ الشريف: «كاد الفقر أن يكون كفراً»(14).


لابدّ من السعي والتوكّل معاً
قد يقال: لماذا قال الإمام سلام الله عليه: «رزقك»، ولم يقل: «رزقي»؟
نقول: الرزق مصدر، والمصدر قد يضاف إلی فاعله وقد يضاف إلی مورده. فإن قلنا «رزقك» فمعناه الرزق النازل منك، أي من الله تعالی، وإن قلنا «رزقي» فمعناه الرزق الواصل إليّ.
وهنا علاقة تضايف، فإذا قلنا «رزقي» فلا بدّ أن يتصوّر مَن صدر عنه الرزق وهو الله تعالى، وإن قلنا «رزقك» فلا بدّ أيضاً من تصوّر من ينزل الرزق إليه، وهو العبد. ولذلك نلاحظ ورود التعبيرين كليهما في الأدعية.
وعندما يرد تعبير (رزقك) فإنّما يراد الإلفات إلی أنّ الله تعالی هو مصدر الرزق وهو الذي بيده كلّ شيء، فيلحّ العبد في الدعاء ويطلب من الله أن يوسّع رزقه إن كان العبد مقتراً، وأمّا عندما يرد لفظ «رزقي» فإنّما يشير إلی الحصّة الخاصّة بالمرزوق، وقد يكون في ذلك لمح إلى وجوب السعي والجدّ والاجتهاد؛ لأنّ طلب الرزق كسائر الأمور لا بدّ له من الركنين معاً: السعي؛ استناداً لقوله تعالی: ﴿وَأنْ لَيْسَ للانْسَانِ إلاّ مَا سَعَى﴾(15) والدعاء والتوكّل علی الله؛ لقوله تعالی: ﴿قُلْ مَايَعْبَأ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾(16).
لاشكّ أنّ الدعاء وحده لا يكفي بل لا بدّ من السعي معه، كما أنّ السعي وحده غير مضمون النتائج، فلا بدّ من السعي والدعاء معاً، كما أمر الله تعالى بهما.
أجل، إذا سعی الإنسان في رزقه ولم يكن بطّالاً، حينها سيجعل له الرحمن من أمره يسراً، ما دام في طاعته دون أن يمدّ عينيه إلی ما متّع الله غيره بنعم الحياة الدنيا والمال الوفير، ولا يتحسّر ولا يأسی بل يرضی بما قدّر الله تعالى وكتب له، وإن أبطأ عنه بالإجابة يذعن ويسلّم؛ لعلم الله تعالى بعواقب الأمور(17)، ممتثلاً لقوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾(18).
وخلاصة القول: إنّ غنی النفس هو الأساس، ومن حاز عليه في مراتبه العليا فقد حصل علی كلّ شيء، وانفتح له باب كلّ خير في الدنيا والآخرة، وإن كان هذا الأمر بالغ الصعوبة إلا أنّه ممكن تحقّقه.


(1) روضة الواعظين: 454.
(2) مكارم الأخلاق: 446، في موعظة رسول الله صلى الله عليه وآله لابن مسعود.
(3) التوبة: 59.
(4) التوبة: 74.
(5) كما ذكر ذلك وفصّله الشيخ الرضي(رضي الله عنه) في شرحه علی الكافية، وورد البحث في كتب اللغة إجمالاً.
(6) الكافي: 140 /2 باب الكفاف.
مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله بِرَاعِي إِبِلٍ، فَبَعَثَ يَسْتَسْقِيهِ، فَقَال: أَمَّا مَا فِي ضُرُوعِهَا فَصَبُوحُ الْحَيِّ، وأَمَّا مَا فِي آنِيَتِنَا فَغَبُوقُهُمْ. فَقَال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ ووُلْدَهُ. ثُمَّ مَرَّ بِرَاعِي غَنَمٍ فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَسْتَسْقِيهِ فَحَلَبَ لَهُ مَا فِي ضُرُوعِهَا وأَكْفَأَ ما فِي إِنَائِهِ فِي إِنَاءِ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وآله وبَعَثَ إِلَيْهِ بِشَاةٍ وقَال: هَذَا ما عِنْدنا وإِنْ أَحْبَبْت أَن نَزِيدكَ زِدناك؟ فَقَال: رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ الْكَفَاف. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ دَعَوْتَ لِلَّذِي رَدَّكَ بِدُعَاءٍ عَامَّتُنَا نُحِبُّهُ، ودَعَوْتَ لِلَّذِي أَسْعَفَكَ بِحَاجَتِكَ بِدُعَاءٍ كُلُّنَا نَكْرَهُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله: إِنَّ مَا قَلَّ وكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وأَلْهَى، اللَّهُمَّ ارْزُقْ مُحَمَّداً وآلَ مُحَمَّدٍ الكَفَاف.
(7) إذا تمعّنتم في كلمات الزيارة التي يزورها الإمام خاصّة وتلك التي يعلّمها الأصحاب والشيعة لرأيتم بعض الفرق، فمثلاً توجد في زيارة أنصار الإمام الحسين سلام الله عليه في آخر زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه المعروفة بزيارة «وارث» عبارة: بأبي أنتم وأمّي، يخاطب بها أنصار الإمام الحسين سلام الله عليه. ولو نظرتم إلى سند هذه الزيارة لرأيتم أنّها الزيارة التي علّمها الإمام الصادق سلام الله عليه صفوان وقال له: زر بهذه الزيارة (يعني زيارة وارث). أما الإمام الصادق سلام الله عليه وهو إبن المعصوم فلا ينبغي أن يخاطب غير المعصوم ـ مهما عظم قدره ـ بقوله: بأبي أنت وأمّي، إذن فهو سلام الله عليه قد زار جدّه الحسين سلام الله عليه بزيارة أُخری. وهذه من النكات اللطيفة.
(8) تهذيب الأحكام: 6/ 327 ح902.
(9) من لا يحضره الفقيه: 2/ 68 ح1741.
(10) بحار الأنوار: 13 / 354، ح52.
(11) تذكرة الفقهاء: 20/ 297.
(12) الكافي: 5 / 77.
(13) ميزان الحكمة: 3/ 3220.
(14) عوالي اللآلئ: 2 / 71، ح184.
(15) النجم: 39 .
(16) الفرقان: 77 .
(17) كما في دعاء الإمام الحجّة بن الحسن عجّل الله تعالى فرجه الشريف المستحبّ قراءته في ليالي شهر رمضان المبارك، والمعروف بدعاء الافتتاح، من قوله: ولعلّ الذي أبطأ عنّي هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور.(إقبال الأعمال: 1/ 139).
(18) الحديد: 23.