» العزّة وعدم الابتلاء بالكبر

إنّ العزّة والكبر هما من حالات النفس الإنسانية التي تظهر على جوارح الإنسان في سلوكه. وإظهار الكبر يسمى تكبّراً، كما في اللغة. والكبر والتكبّر مذمومان، أمّا العزّة فمحمودة ويقابلها الذلّ وهو مذموم أيضاً.
والعزيز من أعزّه الله تعالى، ولذلك يقول الإمام سلام الله عليه: «وأعزّني». أي إلهي أطلب العزّة منك.
العزّة والذلّة مسألتان دقيقتان كبقية المسائل النفسية، فما هو ملاكهما؟ هل يُعدّ أخذ المال من الغير مثلاً عزّة أم ذلّة؟ إنّ الملاك لكليهما يكمن في الموضع الذي يضع الإنسان فيه نفسه؛ فإمّا أن يكون مورد عزّة وقد يكون مورد ذلّة، فليس بوسعنا أن نحكم دوماً على عمل ما بأنّه مصداق للعزّة أو الذلّة ما لم نعرف نيّة المرء فيه. فإن كانت لله تعالى فهي عزّة، وإن كانت لغير الله كانت ذلّة. فالعبودية لغير الله ذلّة ما دونها ذلّة، أمّا العبودية لله تعالى فهي أعظم عزّة، فإنّ الذليل من لم يكن عبداً لله تعالى.
روي عن عامر الشعبي أنّه قال: «تكلّم أمير المؤمنين سلام الله عليه بتسع كلمات ارتجلهن ارتجالاً، فقأن عيون البلاغة وأيتمن جواهر الحكمة، وقطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهنّ، ثلاث منها في المناجاة، وثلاث منها في الحكمة، وثلاث منها في الأدب، فأمّا اللاتي في المناجاة فقال: «إلهي كفى لي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً»(1).
وفي هذا دلالة على أنّ العزّة كلّ العزّة في عبوديّة المرء لمالك الملك، والارتباط الحقّ بالله عزّوجلّ.


العزّة والدخول تحت القدرة
روي عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أيضاً أنّه قال: «كلّ عزيز داخل تحت القدرة فذليل»(2).
فمن كان محكوماً لقدرة الغرائز في نفسه فقد شمله الذلّ وإن كان يتظاهر بالعزّة، وما العزّة التي يتسمّى بها إلا قشرة ظاهرية ولكنّه في الحقيقة ذليل لأنّه أسير شهواته، لا فرق في ذلك بين شهوة المال أو البطن أو الفرج أو حبّ الظهور أو غيرها من الشهوات.
أمّا الذي لا يرى القدرة إلا قدرة الله تعالى، فهذا له العزّة بعينها، وهكذا ما يرتبط بالله تعالى كأهل البيت سلام الله عليهم؛ لأنّه يقود إلى عبودية الله تعالى، بل هكذا الأمر أيضاً فيمن يقوم بتلبية حاجاته المادّية كالأكل والسكن، فيما إذا كان منطلقه إلهياً ـ سواءً كان ذلك من باب الوجوب، أي استجابة لأمر إلهي يُعاقِب على تركه، أو الاستحباب، أي الاستجابة لأمر يحبّه الله مطلقاً ـ ويسعى من خلاله الى مرضاة الله تعالى، أمّا الاستجابة للشيطان والنفس الأمّارة بالسوء فلا يمكن أن تكون عزّة أبداً، لأنّها ليست ترفّعاً بل هي انحطاط وذلّة! لما ورد في الحديث: «من تواضع لغنيّ لأجل غناه ذهب ثلثا دينه»(3).
إذاً، النيّة هي التي تمنح العمل هويّته، ولذلك ورد في الحديث الشريف: «إنّما الأعمال بالنيات»(4).
أمّا إذا تواضع المرء لغنيّ لغرض أن يوجّهه ويرشده لأن يبذل ماله وجاهه في أمور الخير، فهذا ليس مصداقاً للذلّة بل هو عزّة أيضاً، وقد يجب إذا كان من باب مقدّمات الوجود، كما عبّر عن ذلك الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم.
 

هيهات منـّا الذلّة
من يكن قريباً من أهل البيت سلام الله عليهم وتوجّهاتهم يدرك أنّ مواقفهم كلّها عزيزة لأنّها في طاعة الله تعالى أبداً، فموقف الإمام الحسن سلام الله عليه كان يمثّل عين العزّة مع أنّه أغمد سيفه ولم يخرج كما خرج أخوه الإمام الحسين سلام الله عليه، وقد أخطأ كُلَّ الخطأ من خاطب الإمام الحسن سلام الله عليه بقوله: «يا مذلّ المؤمنين»؛ لأنّ الامام سلام الله عليه كان يتأسّى بجدّه رسول الله صلى الله عليه وآله حين كتب المعاهدة بينه وبين المشركين حتى اضطرّ فيها إلى كتابة اسمه الشريف دون وصفه الكريم(5).
والإمام الحسين سلام الله عليه أيضاً وأهل بيته وأصحابه تعرّضوا إلى أنواع الأذى النفسي، وتعرّضوا للسبّ والشتم و... ومع ذلك يقول الإمام الحسين سلام الله عليه : «قد ركز (أي يزيد) بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة»(6). وهذا معناه أنّ كلّ ما تعرّض له الإمام سلام الله عليه وأصحابه لم يكن ذلّة بل كان عزّة.
فلو بايع الإمام سلام الله عليه عامِل يزيد على المدينة باعتباره نائب يزيد، لما عرّض نفسه للقتل ولا جرى على أهل بيته ما جرى، ولأغدق عليه الكثير من الأموال والأمور الدنيوية، ولكن الإمام كان يرى أنّ هذه البيعة بحدّ ذاتها ذلّة، لانصبابها في سخط الله تعالى وغضبه، فتحمّل هو وأهل بيته وأصحابه ما تحمّلوا ولم يرضوا بالذلّ.
لقد رضي الإمام سلام الله عليه أن يعلوَ صدره الشريف شخصٌ دنيء مثل شمر ولم ير ذلك ذلاًّ، بل كان يراه عين العزّ مادام في طاعة الله تعالى، على العكس من الرضوخ ليزيد، فكان الإمام سلام الله عليه يراه عين الذلّة، وإن كانت فيها دنيا، والذلّة بعيدة بذاتها عن أهل البيت سلام الله عليهم، ولذلك قال الإمام: «هيهات منّا الذلّة». أي بعيدة عنّا.
إذاً لا يمكن أن نحكم على عمل واحد أو عملين متشابهين صدرا في موقفين بأنّهما عزّة في الموقفين أو ذلّة فيهما دائماً، بل ينبغي معرفة خصوصيات كلّ منهما.
لقد كان موقف الإمام الحسن تمهيداً لنهضة الإمام الحسين عليهما السلام، فكانت معاهدة الإمام الحسن سلام الله عليه عزّة كما كانت ثورة الإمام الحسين سلام الله عليه ونهضته عزّة، لأنّ منطلقهما كان واحداً وإن اختلفا ظاهراً.


أبو ذر مثالاً على عزّة النفس
روي أنّه بعث عثمان بن عفان إلى أبي ذرّ بِصرّة على يد عبد له وقال له: إن قبلها فأنت حرّ. فلم يقبلها؛ فقال: إقبلها فإنّ فيها عتقي. فقال: إن كان فيها عتقك، فإنّ فيها رقّي، وأنا قطعت علائق الدنيا لئلاّ أكون عبداً لغير الله(7).
أمثلة على المفهوم الخاطئ للعزّة
أعرف شخصاً كان من أهل العلم في بداية شبابه، ولكنّه ترك طلب العلم واتّجه إلى عمل آخر، لأنّه كان من أقرباء أحد مراجع التقليد في عصره. ولم يكن على خلاف معه، بل كان من مقلّديه ومن المعتقدين بأعلميته وعدالته وكان يدرس عنده ولكنّه كان يقول - كما نقل لي بعض أبنائه - : إنّ عزّة النفس تمنعني من استلام الراتب الشهري من هذا المرجع، فكيف يكون هو المعيل لي وهو ابن عمي؟!
لقد غيّر الرجل طريقه في الحياة، وكان من الممكن أن يصبح مجتهداً في يوم ما أو مرجعاً يهتدي بعلمه الألوف، أو على الأقلّ خطيباً أو مدرّساً أو مبلّغاً أو رجل دين على مستوى قرية يهتدي بواسطته العشرات من الناس؛ روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «ياعليّ نوم العالم أفضل من عبادة العابد الجاهل...»(8).
فالابتعاد عن فكر أهل البيت سلام الله عليهم وعدم الفهم الصحيح لمعنى العزّة والذلّة ـ وفق مدرستهم سلام الله عليهم ـ قد يُخسر الإنسان الكثير إن لم يُخسره آخرته.
إنّ العزّة ليست في ترفّع الإنسان عن أقربائه وعشيرته، بل هي العبودية المطلقة لله تعالى ومعرفة ما هي الواجبات وما هي المستحبّات والعمل بهما، وما هي المحرّمات وما هي المكروهات والابتعاد عنهما؛ لأنّ الذلّة تتحقّق في الإتيان بما يُسخط الله تعالى.
والعزّة ـ بعد ذلك ـ كالطاقة إن لم تؤطّرها بالإطار الصحيح تنقلب وبالاً عليك، فإنّك لو أطّرت الطاقة الكهربية بالإطار الصحيح ووظّفتها بالشكل المناسب استفدت منها في مختلف أنحاء الحياة، أمّا إذا لم تضعها في إطارها الصحيح وأهملت كيفية استخدامها فقد تقتلك.
وآفة العزّة الكبر لأنّ فيها ميلاً واقتضاءً قويّاً لذلك ما لم تُضبَط، ولذلك عقّب الإمام زين العابدين سلام الله عليه في دعائه بقوله: «ولا تبتلِيَنّي بالكبر».
كما أنّ العزّة فرض على المؤمن، كما في روايات مستفيضة بل متواترة منها: ما روي عن الإمام أبي عبد الله الصادق سلام الله عليه أنّه قال: «إنّ الله عزّ وجلّ فوّض إلى المؤمن أموره كُلّها ولم يفوّض إليه أن يُذلّ نفسه، ألم تسمع لقول الله عزّوجلّ: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فالمؤمن ينبغي أن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً. يُعزّه الله بالإيمان والإسلام»(9).
فالمؤمن لا ينبغي له أن يذلّ نفسه من أجل متاع الدنيا وزخرفها، ومن كان خاضعاً لهواه أو لقوّة أخرى من أجل بلوغ شيء ما ظنّاً منه أنّه العزّة، ينبغي له أن يخرج نفسه من هذه الحالة لئلا ينخدع، وليعلم أنّها الذلّة بعينها.
وهكذا هو حال من يتجاوز الحدود التي فرضها الله تعالى، يظنّ نفسه عزيزاً لكنّه الذليل ولا يعلم، فتراه مثلاً يفتخر بأنّه ضرب فلاناً لأنّه قال له قولاً أغاظه، مع أنّ الإنسان لا يحقّ له أن يضرب شخصاً لمجرّد أنّه تكلّم عليه، ولكنّ لهيب النفس غير المؤطّرة بالتواضع لله تعالى أشدّ من لهيب الشمس!! فإذا كانت الزيادة في لهيب الشمس قد تودي بحياة بعض الناس، فقد يموت شخص وهو في الخمسين من عمره بسببها، وكان مقدّراً له أن يعيش سبعين لولا إصابته بها، فإنّ اللهيب المنبعث عن النفس البشرية قد يؤدّي إلى إتلاف ملايين السنوات من عمر الإنسان في نار الآخرة.


حاجة العقل لنور الوحي
إنّ العقل مخلوق محدود، وخالقه وحده الذي يعلم حاجاته وأنه لكي ينمو ويسمو يحتاج إلى المدد منه تعالى، والاستنارة بمن بعثهم سبحانه ـ سواء بعثة مباشرة كالأنبياء عليهم السلام أو بعثة غير مباشرة وهم الأئمة المعصومون سلام الله عليهم ـ ومن هنا نرى الإمام زين العابدين سلام الله عليه في هذا الدعاء وفي غيره من الأدعية يعلّمنا ويدعو بنفسه طالباً من الله تعالى أن يعزّه، لأنّ الشعور بالافتقار إلى الله تعالى هو قمّة العزّة ورأس الغنى، وليس يكفي أن يكون الشخص رئيساً قويّاً مطاعاً أو تاجراً ناجحاً أو مدرّساً مشهوراً أو خطيباً مفوّهاً، ما لم يشعر من أعماقه بأنّه محتاج إلى الله تعالى. فإن لم يشعر الإنسان بذلك فهو لا يعدو أن يكون ذليل المنصب أو المال أو العلم أو الأدب أو المكانة الاجتماعية، لأنّه بلاشك يكون داخلاً تحت قدرة إحدى هذه الأمور أو غيرها.


ولا تبتلِيَنـّي بالكبر
الابتلاء قد يكون بمعنى الاختبار، وقد يكون بمعنى المحنة والبليّة، ولا يختلف المعنييان كثيراً؛ لأنّ أحد المعنيين سبب والآخر مسبّب.
هناك حالات كثيرة يتصوّر الإنسان فيها أنّه يتصرّف بدافع العزّة مع أنّه كِبر في الحقيقة.
أذكر الحادثة التالية توضيحاً لذلك:
كنّا مجموعة من الطلبة ندرس عند أحد الأساتذة، فدار في أحد الأيّام نقاش علميّ بين الأستاذ وأحد التلاميذ ـ توفّيا كلاهما رحمهما الله تعالى ـ واشتدّ النقاش، فاحتدّ الأستاذ وغضب، فتفوّه بكلمة غير مناسبة بحقّ الطالب. وإذا بالطالب يطوي كتابه ويقول للأستاذ: ما دمتُ هكذا في نظرك فإنّي سأودّع الدراسة إلى الأبد.
وبالفعل ترك هذا الرجل الدراسة بسبب كلمة غير مناسبة صدرت من أستاذه بحقّه. فهل هذا التصرّف يعبّر عن عزّة أم كبر؟ لا شكّ أنّه من الكبر، وإلا فكيف يمكن لمن يعتقد بأهمّية الدراسة وطلب العلم وأفضليّته أن يتصرّف هكذا ويتّخذ قراراً بهذه الخطورة، فيغيّر مسيرة حياته العلمية بسبب حدّة أو كلمة قاسية؟!
كلّنا معرَّضون لمواقف من هذا القبيل، ولذا ينبغي لنا أن نأخذ مفاهيم العزّة من أهلها ومصداقها الأعلى أهل البيت سلام الله عليهم لئلا تضيع حياتنا الآخرة بسبب موقف تافه والعياذ بالله.


الاعتبار بما جرى لعلماء السوء
لقد كان بلعم بن باعورا (10) عالماً بلغ مرحلة من العلم بحيث قال عنه الله تعالى: ﴿الَّذي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾(11) والجمع المضاف (آياتنا) ظاهر في العموم كما يقول علماء الفقه والأصول، وإن كان ربما العموم هنا نسبيّاً.
ولكن الله تعالى يقول عنه في الآية نفسها: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. وهذا تشبيه بلاغيّ عظيم أي الآيات ـ ويعنى بها العلوم ـ صارت بالنسبة له كالقشرة أو الجلد، أرأيت كيف يُسلخ جلد الشاة؟!
ثمّ يقول الله تعالى عنه بعد ذلك: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾. وهذا معناه أن بلعم بن باعورا هو الذي بدأ الانحراف ثمّ زاده الشيطان في ذلك لابتعاده عن الله تعالى، وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وآله: «من ازداد علماً، ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعداً»(12).
فإذا كانت هذه عاقبة ابن باعورا رغم علمه، بسبب كبره أو ما اعتبره خطأً عزّة، وليست كذلك، فكيف سيكون حالنا إن زللنا نحن، لا سمح الله؟!
فما دمنا ندرس وندرّس ونخطب ونؤلّف ونقوم بالوعظ، والناس يستمعون إلينا ويتعلّمون منّا، وقد يمدحوننا، فنحن معرَّضون لهذا الابتلاء، وكما في الحديث الشريف: «... فإنّ المفتي على شفير جهنم»(13). فأقلّ غفلة يمكن أن تودي بنا، لا سمح الله، وينتهي كلّ شيء.
وهذا لا يعني ترك طلب العلم أو التبليغ، ولكن الأمر يتطلّب وعياً عميقاً مع الدعاء والاستعانة بالله تعالى ليجعلنا الله قادرين على التمييز بين ما هو لله وما هو لغير الله عموماً، فنأخذ بما هو لله تعالى ونذر ما هو لغيره.
كما علينا أن نفرّق بين العزّة والكبر، فنسأل الله تعالى أن يمنحنا الأوّل ويجنّبنا الثاني.


(1) الخصال للصدوق: 420، ح14، باب التسعة.
(2) تحف العقول: 215.
(3) الجواهر السنية: 79.
(4) بحار الأنوار: 67 / 210.
(5) بحار الأنوار: 44 : 23 الباب 18 / ح 7 .
(6) اللهوف في قتلى الطفوف: 42.
(7) شجرة طوبى: 75.
(8) مكارم الأخلاق: 441.
(9) الكافي: 5/ 63.
(10) كان رجلاً على دين موسى عليه السلام وكان عنده اسم الله الأعظم، إذا دعا الله تعالى به أجابه، فمال إلى فرعون، فأخذ منه الإسم الأعظم. انظر تفسير مجمع البيان: 4/ 394 مورد الآية 175 من سورة الأعراف.
(11) الأعراف: 175 .
(12) بحار الأنوار: 2/ 37 ح50.
(13) رسالة في العدالة: 268.