» إجراء الخير بلا منّ

يقول الإمام سلام الله عليه: «وأجر للناس على يديّ الخير ولا تمحقه بالمنّ»
يستفاد من كلمة «أجرِ» مضمونان:
المضمون الأوّل: أنّ الإمام ينسب فعل الخير الذي يفعله الإنسان إلى الله تعالى؛ حيث يُفهم ذلك من صيغة الطلب «أجرِ». وهذا معناه أنّ الإنسان المباشر بفعل الخير هو وسيلة أمّا الفاعل الحقيقي للخير فهو الله تعالى؛ إلاّ أنّ هذه الوسيلة مختارة وغير مجبرة على فعل الخير وتركه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ إذ لولا الاختيار لبطل الثواب والعقاب.
المضمون الثاني: أنّ مادّة هذه الكلمة، (أجر) وهي: الجريان، هي على وزن فَعلان، وكما هو معروف في كتب اللغة فإنّ هذا الوزن يدلّ على الاستمرار وعدم الانقطاع، كما في وصف الله سبحانه للحياة الآخرة بأنّها هي الحيَوان، في قوله تعالى: ﴿وَإنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾(1) فاستعمل صيغة فَعَلان (حيوان) أي الحياة المستمرّة المتواصلة التي لا انقطاع لها.
كذلك هنا الإمام يقول: «أجر» ولم يقل «أصدر منّي الخير»، لأنّ أصدر، لا يحمل ما يحمله (أجر) من طلب دوام صدور الخير وليس مجرّد صدوره.


الإسلام يريد الخير لجميع الناس
الكلمة الثانية، من هذه الفقرة هي قوله سلام الله عليه: (للناس). وهذا معناه أنّ الإمام يطلب من الله تعالى أن يجري على يديه الخير لجميع الناس وليس للمؤمنين أو المسلمين وحدهم بل لكلّ الناس مؤمنين ومسلمين وغيرهم بل حتى لغير المعتقدين بدين أصلاً. هكذا يسأل الإمام من الله تعالى، ويرشدنا أنّه ينبغي لنا أن نسأل الله تعالى في أن يجري الخير على أيدينا لكلّ الناس.
وهذه هي نظرة الإسلام إلى عباد الله تعالى، ففي الحديث الشريف: «الْجِيرَانُ ثَلاثَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ: حَقُّ الإِسْلامِ، وَحَقُّ الْجِوَارِ، وَحَقُّ الْقَرَابَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ حَقَّانِ: حَقُّ الإِسْلامِ وَحَقُّ الْجِوَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ: الْكَافِرُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ»(2).
هذه هي أخلاق الإسلام، مضافاً إلى ما تحمله هذه النظرة من كسب للإسلام.
وكما أنّ الله سبحانه وتعالى يعطي النعم للمؤمن والكافر، والمتديّن وغير المتديّن كذلك الإمام يسأل الله تعالى أن يجري على يديه الخير لجميع الناس دون تمييز.
هكذا كان أهل البيت سلام الله عليهم، يجري الخير على يديهم لجميع الناس. روي أنّ الإمام الصادق سلام الله عليه كان يأخذ معه الخبز والتمر والحنطة في منتصف الليل يوزّعها على فقراء المدينة وهم نيام فيضعها تحت رؤوسهم؛ فيقال له هؤلاء غير موالين لكم. فيقول سلام الله عليه : «لو كانوا موالين لنا لواسيناهم بالدُقّة»(3).


على يدي أو على يديّ
في بعض الموارد من كلام أهل البيت سلام الله عليهم وردت كلمة «يديّ» بتشديد الياء، وهي تفيد التثنية، كما وردت في بعضها الآخر بلفظ المفرد أي دون تشديد الياء، ولا فرق بينهما سوى من جهة زيادة التأكيد؛ لأنّ اليد ـ كما هو معلوم في البلاغة ـ قد ترد بمعنى هذا العضو الخاصّ، وقد ترد للتعبير عن القدرة والمكنة(4)، ولذلك ورد استعمال «يدي» أي الجارحة الواحدة، و «يديّ» أي كلتاهما، لبيان أنّ الأخيرة تفيد التوكيد أي كلّ القدرة أو كلّ العطاء، كما نقرأ في الدعاء: «يا باسط اليدين بالعطية»(5) أي تعطي كلّ الفضل، وإلاّ فإنّ الله تعالى منزّه عن أن تكون له يد ماديّة فضلاً عن اثنتين، وإنّما كان استعمال صيغة المثنى (يديّ) كناية عن مطلق العطاء من مطلق القدرة، وهكذا في هذا الدعاء إذا قلنا «وأجرِ للناس على يدي الخير» فهو طلب صدور الخير منّا للناس على الدوام، أمّا قوله سلام الله عليه: «وأجرِ للناس على يديّ الخير» فهو يعني طلب التوفيق لصدور الخير والبذل الدائم بمطلق الطاقة التي يُتوفّر عليها، أي هو المبالغة في الإعطاء.


المنّ يمحق عمل الخير
ثمّ إنّ الإمام سلام الله عليه بعد أن يسأل الله تعالى أن يجري على يديه الخير للناس، يسأله قائلاً: ولا تمحقه بالمنّ. أي، إلهي أنت إذ وفّقتني وأجريت للناس على يدي الخير لا تمحقه بالمنّ، فاحفظني من الشيطان ولا تكلني إلى نفسي، فإني لا أستطيع النجاح مستقلاًّ عنك.
أمّا المحق فهو الإبطال والمحو والإحباط. وقد ورد استعمال الإبطال وأريد منه المحق أكثر، مثل قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾(6) أمّا المحق فقد ورد قليلاً ومنه قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾(7) وقوله تعالى: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾(8)، وهنا أيضاً قال الإمام سلام الله عليه في دعائه: «ولا تمحقه بالمن» لأنّ المنّة تحبط عمل الخير وتبطله كما في هذه الرواية:
دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى الإمام مُحَمَّد الجواد سلام الله عليه وَهُوَ مَسْرُورٌ. فَقَالَ: «مَا لي أَرَاكَ مَسْرُوراً؟» قَالَ: يَا ابْنَ رَسُول اللَّه سَمعْتُ أَبَاكَ يَقُولُ: «أَحَقُّ يَوْم بأَنْ يُسَرَّ الْعَبْدُ فيه يَوْمٌ يَرْزُقُهُ اللَّهُ صَدَقَاتٍ وَمَبَرَّات وَسَدَّ خَلاَّت منْ إِخْوَان لَهُ مُؤْمنينَ» وَإنَّهُ قَصَدَني الْيَوْمَ عَشَرَةٌ منْ إخْوَاني الْمُؤْمنينَ الْفُقَرَاء لَهُمْ عِيَالاتٌ فَقَصَدُوني منْ بَلَد كَذَا وَكَذَا فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحد منْهُمْ، فَلهَذَا سُرُوري. فَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَليٍّ: «لَعَمْري إِنَّكَ حَقيقٌ بأَنْ تُسَرَّ إِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْبَطْتَهُ أَوْ لَمْ تُحْبطْهُ فيمَا بَعْدُ». قَالَ الرَّجُلُ: وَكَيْفَ أَحْبَطْتُهُ وَأَنَا منْ شِيعَتِكُمْ الْخُلَّصِ؟ قَالَ: «هَاهْ قَدْ أَبْطَلْتَ برَّكَ بإِخْوَانكَ وَصَدَقَاتكَ». قَالَ: وَكَيْفَ ذَلكَ يَا ابْنَ رَسُول اللَّه؟ قَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَليٍّ: «اقْرَأ قَوْلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تُبْطلُوا صَدَقاتكُمْ بالْمَنّ وَالأَذى»(9) قَالَ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا مَنَنْتُ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ تَصَدَّقْتُ عَلَيْهِمْ وَلا آذَيْتُهُمْ. قَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتكُمْ بالْمَنِّ وَالأَذى، وَلَمْ يَقُلْ لا تُبْطلُوا بالْمَنّ عَلَى مَنْ تَتَصَدَّقُونَ عَلَيْه وَبالأَذَى لمَنْ تَتَصَدَّقُونَ عَلَيْه وَهُوَ كُلُّ أَذى»(10).
يستفاد من هذا الحديث أنّه إذا ذكَر المتفضّل على أحد فضله حتى في غيابه عُدّ ذلك من مصاديق المنّة، لذا يشير الحديث الى أنّ الشخص إذا صنع خيراً لأحد ثمّ ذكره في مجلس، فإنّ الخبر حتماً سيصل إليه عاجلاً أو آجلاً فيتأذّى، ولم يقيَّد الأذى بأن يكون مباشراً كما لو يقول المانّ: أنا الذي أعطيتك المال بعد أن لم يكن عندك، أو أن يكون بصورة غير مباشرة كالإيحاء مثلاً، وهذا امتحان صعب جدّاً يتطلّب الاستعانة بالله تعالى حتى يجتازه المرء بنجاح.


قصّة فيها عبرة
كان هناك رجل حاجّ أعرفه جيداً يعيش في إحدى المدن المقدّسة، فقد صادف أن نزل في مدينته رجل زائر من بلد آخر جاء هو وعائلته، وكانوا قد نزلوا فيها لأوّل مرّة لأداء الزيارة ولا يعرفون فيها أحداً، فذهبوا يبحثون عن مكان في الفنادق والمنازل التي يؤجّرها أصحابها، فلم يحصلوا على مكان بسبب كثرة الزوار، فاضطرّوا للجلوس في مكان ما، فلمّا رآهم ذلك الرجل الحاج ـ وهوكما أعرفه كان يعمل الخير ما وسعه لأيّ شخص سواء كان يعرفه أم لا ـ على هذه الصورة جالسين على الأرض، سألهم: لماذا أنتم جالسون هنا؟ قالوا له: نحن مسافرون جئنا للزيارة، ولكنا لم نعثر على مكان ننزل فيه، فاضطررنا للجلوس هنا عسى أن يمرّ بنا شخص فيرشدنا إلى مكان ما نأوي إليه.
عندها قال لهم الحاجّ: تعالوا معي إلى بيتي، ففرحوا بذلك؛ وأضمروا أن يعطوه الأجرة المناسبة آخر الأمر ـ لأنّهم كانوا أناساً متمكّنين ماديّاً ـ فأنزلهم الحاجّ في بيته منزلاً كريماً، حتى أقاموا عنده عشرة أيّام، كان يقدّم لهم خلالها كلّ متطلّبات كرم الضيافة بما فيها الطعام، ولما شارفوا على الرحيل بعد انتهاء مدّة زيارتهم، عرضوا عليه مبلغاً من المال لخدماته لهم، ففوجئوا أنّه لا يقبل على عمله هذا أجوراً أو شيئاً من هذا القبيل، قائلاً لهم: إنّكم لم تكونوا ضيوفي بل ضيوف الإمام سلام الله عليه وإنّ الأجر الذي سأحصل عليه منه يفوق ما تعطونه لي مهما بلغ. وعندما لاحظوا إصراره على رفض أخذ المال ودّعوه شاكرين وانصرفوا.
وبعد مرور بضع سنوات حدثت للحاجّ (المضيّف) مشكلة سياسية في نفس البلد الذي قدم منه ذلك الزائر (الضيف) ليزجّ بالحاجّ في السجن، وكان من المحتمل أن يصدر بحقّه حكم الإعدام، وحينما كان يتعرّض للاستجواب لعدّة أيّام، جاءه في آخر استجواب يمارس معه شخص يظهر من الرتب العسكرية التي يحملها على كتفه أنّه رجل رفيع المنصب في الدولة بصفة محقّق قضائي. فلمّا رآه سأله: ألستَ فلانا؟ قال بلى. ثمّ شرع بتوجيه الأسئلة عليه؛ من قبيل: ألستَ تسكن البلد الفلاني؟ وكان الحاجّ يجيب: لقد سألتموني من قبل والمعلومات مدوّنة عندكم، فقد أدليت بكلّ إفادتي. وأخيراً سأله المحقّق: أليس بيتك في المكان الفلاني؟ قال: نعم. ثمّ نظر المحقّق إليه نظرة خاصّة وقال: ألم تعرفني؟ قال: لا. قال: دقّق فيّ جيّداً، ثمّ رفع قبّعته من على رأسه. فقال الحاجّ: كأنّي رأيتك ولكن لا أتذكّر أين، فقال الرجل: لقد كنت وعائلتي عشرة أيّام ضيوفاً في بيتك أكرمتنا كثيراً دون مقابل. قال الحاجّ بعد تذكّره ما كان قد نسيه: إنّما فعلته لله.
وهنا قال له: ها هو حكمك بيدي، وعقوبتك تصل حتى الإعدام، ولكنّي أمزّق الورقة أمامك وأقول لك: تفضّل واخرج فليس عليك شيء!
يتّضح من هذه القضيّة وغيرها مما سلف من آثار فِعل البر والإحسان أنّ الخير الذي يفعله الإنسان لغيره إنّما يعود في الحقيقة لنفسه بل هو مسجّل له منذ البداية، ولكن انكشاف هذا الأمر يحتاج إلى وقت، غايته أنّ النتائج قد لا تظهر كلّها في هذه الحياة الدنيا بل قد يراها الإنسان في الآخرة، فإذا كان عند الإنسان بصيرة والتفات وكان معتبِراً بقصص الآخرين سهُل عليه الأمر وبادر إلى عمل الخير للناس، مهما كلف الأمر.


(1) العنكبوت: 64 .
(2) مستدرك الوسائل: 8 / 424، ح14، باب وجوب كفّ الأذى عن الجار.
(3) روي عَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْس قَالَ: خَرَجَ أَبُو عَبْد اللَّه عليه السلام في لَيْلَة قَدْ رُشَّتْ وَهُوَ يُريدُ ظُلَّةَ بَني سَاعدَةَ فَاتَّبَعْتُهُ فَإذَا هُوَ قَدْ سَقَطَ منْهُ شَيْ‏ءٌ. فَقَالَ: بسْم اللَّهِ اللَّهُمَّ رُدَّ عَلَيْنَا. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فسَلَّمْتُ عَلَيْه، قَالَ فَقَالَ: مُعَلًّى! قُلْتُ: نَعَمْ، جُعلْتُ فدَاكَ. فَقَالَ لي: الْتَمسْ بيَدكَ فَمَا وَجَدْتَ منْ شَيْ‏ء فَادْفَعْهُ إلَيَّ. فَإذَا أَنَا بخُبْزٍ مُنْتَشر كَثِير فَجَعَلْتُ أَدْفَعُ إلَيْه مَا وَجَدْتُ، فَإذَا أَنَا بجراب أَعْجزُ عَنْ حَمْله منْ خُبْز، فَقُلْتُ: جُعلْتُ فدَاكَ أَحْملُهُ عَلَى رَأْسي؟ فَقَالَ: لا أَنَا أَوْلَى به منْكَ وَلَكن امْض مَعي. قَالَ: فَأَتَيْنَا ظُلَّةَ بَني سَاعدَةَ فَإذَا نَحْنُ بقَوْم نيَام فَجَعَلَ يَدُسُّ الرَّغيفَ وَالرَّغيفَيْن حَتَّى أَتَى عَلَى آخرهمْ ثُمَّ انْصَرَفْنَا. فَقُلْتُ: جُعلْتُ فدَاكَ يَعْرفُ هَؤُلاء الْحَقَّ؟ فَقَالَ: لَوْ عَرَفُوهُ لَوَاسَيْنَاهُمْ بالدُّقَّة. وَالدُّقَّةُ هِيَ الْمِلْحُ. (الكافي: 4 / 9).
(4) ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْق أيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: 10) والمقصود قدرة الله تعالى وسلطته ومكنته ـ وكذلك فضله ونعمته ـ لأن الله تعالى ليس له يد كأيدينا أو غير ذلك من الأعضاء.
(5) انظر مصباح الكفعمي: 647 فصل46، من أدعية ليلة الجمعة.
(6) البقرة: 264 .
(7) البقرة: 276 .
(8) آل عمران: 141 .
(9) آل عمران: 141 .
(10) مستدرك الوسائل: 7 / 234 .