» معالي الأخلاق والعصمة من الفخر

لا شكّ أنّ لمعالي الأخلاق والعصمة من الفخر مراتب. وهذا يعني أنّ سؤال الإمام المعصوم من الله تعالى بأن يهبه معالي الأخلاق لا ينافي العصمة، ومما لا شكّ فيه أنّ كلّ ما لدى المعصوم سلام الله عليه حتى العصمة هو لطف من الله سبحانه وتعالى، ومن ثمّ فإنّ الإمام ليس بصدد تعليمنا الدعاء فحسب بل يتوجّه إلى الله أيضاً ويسأله أن يهبه معالي الأخلاق والعصمة من الفخر، غايته أنّ الإمام سلام الله عليه يسأل مراتبهما العليا.
صحيح أنّ مراتب الإمام في معالي الأخلاق عالية جداً بل لا يقاس به أحد البتّة، ولكن الصحيح أيضاً أنّ هذا لا يتنافى وطلب الأئمة صلوات الله عليهم المزيد من المراتب الأكثر علوّاً وإن بلغوا ما لم يبلغه أحد من العالمين حتى حازوا أعلى مرتبة من بين خلق الله عزّ وجلّ من الأوّلين والآخرين، وهذا مطلب معمّق وتفصيله يتطلّب بحثاً مستقلاًّ.


وقفات مع مفردات الدعاء
نقف الآن وقفات سريعة مع كلمات هذه الجملة من الدعاء: «هب لي معالي الأخلاق واعصمني من الفخر». فنقول:
«هب» من الهبة وهي غير العطاء، وقد وردت مادّة الهبة واشتقاقاتها في القرآن كثيراً، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً﴾(1)، وقوله سبحانه ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّة َأعْيُنٍ﴾(2) فما هو معنى الهبة؟ يقول الفقهاء: الهبة عقد(3) فائدته تمليك عين بلا عوض.
فإذا كان هذا معنى الهبة فإنّ الإمام سلام الله عليه يطلب من الله أن يهبه معالي الأخلاق وليس يعطيها له فقط؛ لأنّ الإعطاء أعمّ من التمليك؛ فإنّ الإمام سلام الله عليه عندما يقول: (هب لي)، فمعناه يا ربّ، ملّكني معالي الأخلاق واجعلها ملكاً وملَكة لي، ومالك الشيء سيّده(4).
إذاً، يكون معنى هب لي معالي الأخلاق: ملّكني إياها، لا أن تكون عارية، فتكون مثلاً عندي فترة الغنى، فإذا صرت فقيراً زالت عني، أو تكون عندي زمن الراحة أو الصحّة وإذا ضقت أو مرضت ذهبتْ عنّي، كلاّ، بل اجعل اللهم معالي الأخلاق مملوكة لي.
هذا ما ندركه نحن على قصور فهمنا، أمّا ما يقصده الإمام المعصوم سلام الله عليه - وهو في مقام الطلب من الله تعالى - فلا شكّ أنّه أعمق بكثير مما يدركه أمثالنا.
فالهبة تعني التمليك بلا عوض. وهذا هو الحقّ في كلّ ما نطلب من الله وما يتفضّل به سبحانه علينا، فكلّ ذلك بلا عوض، ولا يستثنى من ذلك أحد حتى المعصومون سلام الله عليهم، وإلا فما عسى أن يكون العوض الذي يقدّمه العبد الفقير لله الغني؟ هل هي العبادة وهي بدورها من نِعم الله سبحانه وأفضاله. وما فرضها عليهم إلاّ لعلمه تعالى بافتقارهم إليها في الوصول إلى أرفع مراتب الإنسانية. وهكذا الحال بالنسبة للإمام السجّاد سلام الله عليه رغم عصمته وشرف مقامه من بين كلّ مخلوقات الله عزّ وجلّ، ولكن مع ذلك لا يمكنه القيام بما يعوّض به الله تعالى. فإذا قام بالعبادة فإنّما هي بفضل الله ونعمته.
ثمّ إنّ الهبة والعطية بمعنى واحد في الخطّ العام ولكن الاختلاف في أنّ العطية يمكن أن تعطى لكلّ أحد، أمّا الهبة فبمقتضى لزوم القبول قد ينتزع منها معنى قابلية التملّك مادامت العين قائمة، ولذلك فهي لا تشمل سوى العاقل لحضور ملكة القبول والردّ لديه؛ ومن هنا فنحن لا نهب الماء للقطة العطشى بل نعطيه لها، وهكذا الطعام الذي نقدّمه للطير مثلاً، ذلك أنّ الهبة بحاجة إلى قبول وهو بحاجة إلى عقل، وهذا لا يكون إلا في الإنسان.


الفرق بين معالي الأخلاق ومحاسنها
بعد اتضاح معنى الهبة وأنّها تمليك بلا عوض، قد يُسأل: ما هو الشيء الذي يدعو الإمام فيه ربّه أن يملّكه إياه؟ أهو المال أم البيت؟ أم الزوجة والأولاد أم الرئاسة؟ الجواب: لا هذا ولا ذاك، بل إنّ الإمام يسأل الله تعالى أن يهبه معالي الأخلاق. فما هو المقصود بهاتين الكلمتين؟
«المعالي» في اللغة العربية جمع «معلاة» على وزن «مرماة»، و«المعلاة» مصدر ميمي مع تاء التأنيث (للمبالغة)، أي أصله «معلى» وهو بمعنى العلوّ، وقد أُلحقت به كلّ هذه الإضافات والتحويرات للمبالغة والتوكيد. فالعلوّ معلوم ولكن «معلى» مصدر ميميّ يفيد توكيد الصفة، لحقته تاء التأنيث كما قلنا للتوكيد أيضاً، فصارت معلاة، ثمّ جاءت بصيغة الجمع (معالي) زيادة في التوكيد. على أنّ استعمال المصدر بنفسه يفيد التوكيد كما هو معروف في اللغة. فالخُلق يوصف بأنّه عالٍ، فإن قيل «علوّ»، كان ذلك مبالغة وتأكيداً، ومثاله إذا أريد وصف زيد بأنّه عادل ولكن أريد التأكيد على وجود هذه الصفة فيه أو الإشارة إلى أنّه يمثّل المراتب العليا من العدالة أو أنّه عادل حقّاً، قيل: زيد عدل، فيؤتى بالمصدر بدل اسم الفاعل، وكذلك بدل اسم المفعول لغرض التأكيد.
إذاً استعمال المصدر هنا توكيد، ثمّ المصدر الميميّ توكيد ثانٍ ثمّ لحوقه بالتاء توكيد ثالث، وصيغة الجمع توكيد رابع للأخلاق العالية.
أي أنّ الإمام يسأل الله تعالى من الاخلاق أعلى مراتبها.
وهناك توكيد خامس استعمله الإمام سلام الله عليه، وهو صيغة الجمع المضاف؛ لأنّه كما يقال: ظاهر في العموم. أي كلّ معالي الأخلاق.
ثمّ تأكيد آخر وهو الفرق الموجود بين معنيي كلمتي معالي الأخلاق ومحاسن الأخلاق. فالمفهوم الموجود في كلمة معالي الأخلاق غير موجود في محاسن الأخلاق؛ ولذلك ورد في الحديث أنّ رسول الله
صلى الله عليه وآله قال: «إنّما بعثت لاتمم مكارم الأخلاق»(5) أي معالي الأخلاق؛ وذلك لأنّ الخُلق قد يكون سيّئاً وقد يكون حسناً، فالجبن مثلاً خلق سيّئ والشجاعة خلق حسن، والبخل خلق سيّئ والكرم خلق حسن، والجزع خلق سيّئ والصبر خلق حسن، وهكذا.
فالكرم مثلاً هو ندى الكفّ أي هو سبوغ الإحسان، وهكذا بالنسبة لبقية الأخلاق الحسنة، أمّا مكارم الأخلاق فهي أعلى من ذلك لأنّها تعود للنفس وتربيتها وحملها على ملازمة الخلق الحسن؛ فإنّ النفس التي لا تتحلّى بمكارم الأخلاق قد لا تلتزم بالخلق الحسن إذا لم يوافق شهواتها وغرائزها، فالخلق الحسن ينسجم مع طبيعة صاحبه، أي يوافق غرائزه وشهواته عادة، أمّا مكارم الأخلاق فتعني الالتزام بكلّ الخصال الحسنة، حتى عندما لا تتوافق مع الشهوات والغرائز، وخير مثال يوضّح ذلك البشاشة وعدم العبوس، فربّ شخص اتّصف بهذا الخلق أي يكون بشوشاً لأنّه يحبّ أن يكون محبوباً وممدوحاً في المجتمع، فتراه يتحلّى بهذه الخصلة لكي يحقّق رغبة من رغباته وهي المحبوبية، وهكذا الحال بالنسبة للشجاعة وغيرها. أمّا مكارم الأخلاق فلا تناغم بينها وبين الميول والرغبات بل هي عمليه ترويض للنفس وتعويدها على فعل الخير كيفما كان، فتقول للفرد مثلاً: سلّم على من سبّك، وهذا أمر صعب لأنّه لا يوافق رغبة الفرد وشهوته، ولذلك قد تجد ثلّة من بين كلّ ألف صائم ومصلّ وحاجّ من هو كذلك؛ ممّا يعني أنّ مكارم الأخلاق تعني إجبار النفس وترويضها على التحلّي بالخصال الحسنة وإن كانت منافية لإرادتها ومضادّة لطبيعتها.
لذلك فإنّ الإمام سلام الله عليه يطلب في هذا الدعاء من الله أن يمنحه معالي الأخلاق أي مكارمها، ولذلك سمّي هذا الدعاء بـ (دعاء مكارم الأخلاق) وليس محاسن الأخلاق.
وتأكيد آخر يكشف الفرق بين معالي الأخلاق ومحاسنها هو أنّ الإمام سلام الله عليه قدّم كلمة المعالي فقال: (معالي الأخلاق)، ولم يقل: الأخلاق العالية، أي قدّم الوصف على الموصوف.


(1) مريم: 5 .
(2) الفرقان: 74 .
(3) فقولهم: «عقد» يعني أنّها ليست إيقاعاً، والفرق بين العقد والإيقاع أنّ الأول لا يتقوّم إلا بطرفين؛ إيجاب وقبول. فالواهب يقول: وهبت، والذي تنتقل إليه الهبة يقول: قبلت، خلافاً للإيقاع فإنّه لا يُشتَرط فيه القبول. وخرج بقولهم: «بلا عوض» مثل البيع فإنّه تمليك بعوض، فلو قال الواهب: وهبتك كذا، وسكت، دون أن يضيف عبارة (بلا عوض)، فلا يقدح ذلك في العقد؛ لأنّ مقتضى الهبة أن يكون بلا عوض، وإلا لم يكن هبة. فذِكر هذا القيد في التعريف إنّما هو على نحو الإقتضاء وليس العلية التامّة، أي أنّ الهبة بطبعها تقتضي أن تكون بلا عوض.
(4) يقال – والشيء بالشيء يذكر - : إنّ مَلِكاً قال لرجل وكان زاهداً مبتعداً عنه: لماذا لا تأتيني وأنت عبدي؟ عجب الزاهد وقال: كيف أصبحتُ عبداً لك؟! قال الملك: ألستَ من رعاياي. قال الزاهد: وكيف أكون عبداً لك وأنت عبد عبدي؟ قال الملك مستغرباً غاضباً: وكيف ذلك؟! قال: أنت عبد الهوى وأنا سيّد الهوى، فأنت عبد لعبدي!
(5) مستدرك الوسائل: 11 / 187، الباب 6، الحديث 2.