اللّهُمَّ صَلِّ عَلى محمَّدٍ وَآلهِ
وَلا تـَرْفَعْني في النَّاسِ دَرَجَةً إلاَّ حَطَطْتني عِنْدَ نَفْسي مِثْلَها
وَلا تـُحْدِثْ لي عِزّاً ظَاهِراً إلاَّ أحْدَثتَ لي ذِلَّة بَاطِنَةً عِنْدَ نـَفْسي بِقَدَرِهَا

» بين الرفعة والعزّة والحطّ والذلة

لا بأس أن نذكّر بأنّ الإمام سلام الله عليه معصوم وأنّ مقام العصمة أعلى مقام يمكن أن يصله بشر، والمعصومون هم من اختارهم الله تعالى واصطفاهم ووفّقهم لبلوغ هذا المقام وهذه المنزلة، ولكن مع ذلك كلّه فإنّه حتى المعصوم ليس مستثنىً من السير التكاملي، لأنّ العصمة وإن كانت بالنسبة لنا تمثّل أعلى مرحلة للتكامل، ولكنّها ليست كذلك بالنسبة للمعصوم، بل هو قابل للمزيد من التكامل؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم أدعية الأئمّة المعصومين ـ ومنها هذا الدعاء ـ فإنّهم سلام الله عليهم إنّما يدعون الله تعالى ويطلبون منه المزيد، إضافة إلى كونهم في مقام تعليم العباد كيفية مخاطبة الربّ الجليل.
يتوجّه الإمام السجّاد سلام الله عليه في هذه الفقرة من الدعاء إلى الله تعالى ويطلب منه مطلبين هما في الغالب متلازمان. يقول الإمام: «ولا ترفعني في الناس درجة إلاّ حططتني عند نفسي مثلها»، فما هو المقصود من الارتفاع في الناس؟ قد يُحسن الإنسان تعامله مع الناس أو يتظاهر بحسن الخلق أو يُظهر علمه، فترتفع درجته عندهم، وقد ترتفع درجته بسبب جوده وكرمه، إلا أنّ الإنسان عموماً إذا ما ارتفعت منزلته بين الناس تولَّدت في نفسه حالة من الغرور تجعله ينسى كلّ ما كان عليه سابقاً وربّما يغفل عمّا سيؤول إليه لاحقاً، فيختلّ توازنه ويهوي من حيث ارتفع؛ ولذلك ينبغي لنا أن نسأل الله تعالى بأن يصغّرنا في نفوسنا كلّما كبرنا في أعين الناس، كما يعلّمنا الإمام سلام الله عليه.
إنّ العبارات الواردة في الدعاء دقيقة جداً، فلفظة «درجة» وردت نكرة، ويقول العلماء إنّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم، ومعناه: أيّ درجة أرتفع بها في الناس، فبقدرها ياربّ أنزلني عند نفسي. أي اجعلني أرى نفسي نازلةً بالدرجة ذاتها، لئلاّ أصاب بالغرور ولكي أسعى للارتفاع دائماً ولا تغرّني نظرة الناس إليّ؛ لأنّني إذا اغتررت بتقييمهم وإطرائهم أو نظرتهم إليّ، تراجعتُ أو توقّفت عن الرفعة على أقلّ تقدير.
وهذه الفقرة تدعو الإنسان للتأمّل، فما يراه من الاحترام والارتفاع في الناس قد يزول يوماً ما، فيجدر أن لا يغترّ به ولا يرتّب عليه أثراً، لأنّ المهمّ هو أن يتسامى الإنسان في الباطن كما في الظاهر مثلما يراه الناس. ومن كان يعظّم نفسه لتعظيم الناس له تحكّم الناس في أمره، مع أنّ الإنسان المتّزن هو الذي يكون أمره بيده، والمتحكّم في نفسه يربّيها ويرفع درجتها بحسب إيمانه وتقواه، ومثل هذا الإنسان قطعاً يكون صادقاً مع نفسه، فاهماً لها، رافعاً من درجتها، سائراً بها نحو الكمال؛ ويبقى الإنسان مع هذا كلّه مفتقراً إلى الله تعالى ليعينه على نفسه ويقيه من الزلاّت، ولذلك يعلّمه الإمام سلام الله عليه كيف يستمدّ العون منه في قوله: «إلهي ولا ترفعني في الناس درجة إلاّ حططتني عند نفسي مثلها».