» العزّة الظاهرة والذلّة الباطنة

يقول الإمام سلام الله عليه بعد ذلك: «ولا تحدث لي عزّاً ظاهراً إلاّ أحدثت لي ذلّة باطنة عند نفسي بقدرها».
كمقدمة نعرض أنّه قد يكون شخصٌ عزيزاً ظاهراً، ولكنّه ذليلٌ صاغرٌ أمام الشهوات. فيزيد بن معاوية مثال واضح للذلّ الحقيقي رغم ما كان يتمتّع به من هيبة الحكومة التي انتزعها من الناس بالقوّة، ورغم العزّة الظاهريّة، أمّا الإمام الحسين سلام الله عليه فكان مثال العزّة والكرامة الحقيقية. فهو سلام الله عليه لم يرضخ لطاغوت زمانه، الأمر الذي أدّى إلى أن رُضّ جسدُه الشريف بالخيل بعد قتله، وسبي نساؤه وعياله.
ولا تناقض بين قول الإمام الحسين سلام الله عليه: «هيهات منّا الذلّة» وبين قول الإمام الرضا سلام الله عليه ـ عندما يصف يوم عاشوراء وما جرى فيه على جدّه الإمام الحسين سلام الله عليه ـ : «وأذلّ عزيزنا»(1)، لأنّ كلاًّ من القولين ناظر إلى جهة، فإنّ عبارة الإمام الرضا سلام الله عليه ناظرة إلى الذلّة الظاهرية التي تحمّلها آل البيت سلام الله عليهم في سبيل الله تعالى. أمّا عبارة الإمام الحسين فناظرة إلى الذلّة الحقيقية، المنتفية عن أهل البيت؛ ولذلك نقرأ في زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه: «لا ذليل واللهُ معزُّك ولا مغلوب واللهُ ناصرك»(2). فكيف يكون ذليلاً من أعزّه الله؟ وكيف يكون مغلوباً من نصره الله؟ لقد تحدّى الإمام الحسين أكبر طاغوت على وجه الأرض وتحمّل هو وأهل بيته كلّ المصائب والهوان الظاهري ولم يتنازل عن مبادئه؛ لأنّه كان يرى في ذلك الذلّة الحقيقية؛ ولذلك قال: «يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون»(3). فالنزول لرأي يزيد كان من وجهة نظر الإمام هو الذلّ الحقيقي، أمّا ما تعرّض له من الهوان الظاهري وسبي وتشريد أهله فإنّه العزّة الحقيقية ما دامت في رفض الظلم والوقوف في وجهه؛ ابتغاءً لمرضاة الله تعالى.
أمّا الذلّة الباطنة التي وردت في الدعاء، فالمقصود منها تواضع النفس وليس ضعتها، فإنّ العزّة الظاهرة قد تضرّ بالإنسان وتخلّ في توازنه، فيتصوّر نفسه أعظم من غيره، فإذا صار كذلك فقد تأسّر، بنظرة النّاس.


الله وليّ كلّ نعمة
توجد في هذه الفقرة من الدعاء أربعة مطالب هي: الرفعة في الناس والحطّة في النفس، والعزّ في الظاهر والذلّ في الباطن.
وكلّ هذه الأمور ينسبها الإمام إلى الله تعالى، فلا يقول الإمام: إلهي إذا ارتفعت في الناس أو إذا رفعني الناس، بل يقول: إلهي (لاترفعني)، (إلاّ حططتني)، (لا تحدث لي عزّاً)، (إلاّ أحدثت لي ذلّة)، وهذا معناه: ياإلهي أنت الذي تعزّ وأنت الذي تذلّ، وأنت الذي ترفع وأنت الذي تضع.
حقّاً، لولا أهل البيت سلام الله عليهم لما عرفنا كيف نتكلّم مع الله عزّ وجلّ.
ولكنّ أهل البيت علّمونا أنّ الأسباب كلّها من الله سبحانه وتعالى، فإنّ رفعة الفرد بين الناس قد تكون بسبب ذكائه ومعرفته في كيفية التعامل مع الناس عادةً لترتفع درجته، وقد تكون بسبب المال الذي يبذله، وقد تعود لأسباب أخرى، ولكن كلّ ما يمكن أن يكون سبباً لحصول رفعة الشخص في الناس فهو من الله، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾(4)؛ ولذلك نرى أنّ الإمام السجّاد ينسب الأمر إلى الله وليس إلى الفرد ولا إلى الناس؛ محاكياً قول الله تعالى: ﴿قُل اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ ممَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ﴾(5).
وكذا الحال مع الصفة المقابلة، أي استصغار النفس وتواضعها، أمام نعم الله تعالى؛ فإنّ الأمر وإن كان يعود في الظاهر إلى الفرد - لأنّ الذي يتمتّع بهذه الصفة يكون متحكّماً هو بنفسه والمالك لزمام أمورها بدل أن يتحكّم بها الآخرون - ولكنّه هو الآخر غير متمكّن من دون توفيق الله وتسديده وتهيئة أسباب الرشاد إليه. إذاً فالباعث الحقيقي للقوّة على الفعل هو الله عزّوجلّ وليس الفرد.


(1) بحار الأنوار: 44 /283 باب 34.
(2) البلد الأمين: 284 أدعية شهر شعبان.
(3) اللهوف في قتلى الطفوف: 97.
(4) النحل: 53 .
(5) آل عمران: 26.