» طريق الحقّ وعدم الزيغ

الحقّ والصالح مفهومان لمصداق واحد، فهما في الذهن معنيان لكن الوجود الخارجي لهما واحد؛ فيكون قوله: «طريقة حقّ» من باب العطف التفسيري والتوضيحي لقوله سلام الله عليه: «هدى صالح». بيد أنّه يمكن أن يكون المراد بالهدى الدين والعقيدة، وأن يكون المراد بالطريقة العادات والسنن؛ فيكون معنى قوله سلام الله عليه «متّعني بهدى صالح لا أستبدل به» الثبات على الإيمان والمعتقد؛ لأنّه قد لا يبقى الفرد المسلم - والعياذ بالله - على الإيمان والإسلام بل يستبدل بالإيمان غيره ويرتدّ عن دينه، وما أكثر الذين ارتدّوا عن الإيمان والمعتقد. فمن يقرأ التاريخ يجد أنّ كثيراً من الناس قد ارتدّوا ورجعوا عن الإسلام حتى في زمن النبي صلّى الله عليه وآله، فهؤلاء لم يتمتّعوا بهدى صالح دائم بل استبدلوا الكفر به، كما كان هناك أقوام بقوا مع الإمام أمير المؤمنينعليه السلام حتى السنين الأخيرة من عمره الشريف، ولكنّهم شهروا سيوفهم في وجهه في السنتين الأخيرتين من حياته المباركة، كالخوارج الذين مرقوا عن الإسلام وارتدّوا عن إيمانهم وزاغوا عنه وانحرفوا.
ثمّة من يزعم أنّه ملتزم طريق الحقّ، ولكن تراه يتوفّر على عادات وتقاليد باطلة لا تتناسب مع زعمه، فمثل هذا لا يتمتّع بطريقة حقّ، وخير مثال على ذلك ما نراه في تقاليد الزواج؛ فبعض الآباء يزوّج ابنته البالغة الرشيدة من دون أن يستشيرها. وإن أعلمها بالأمر، فلا يكون إلاّ بعد عقده وإبرامه حتى لا يبقى لها خيار بعده. وهذا خلاف السنّة، أمّا إذا تسرّع وأعطى كلمة ثمّ جعلها ترضى بعد ذلك فلا إشكال، ولكن لابدّ من رضاها على كلّ حال.
ممّا ينقل في هذا الصدد أنّ رجلاً كان كلّما تقدّم إليه أحد في طلب ابنته للزواج رفضه، حتى تقدّم إليه أحد الأشخاص فوافق عليه، فقال ذلك الشخص له: هل أرى أنّك أعطيتني كلاماً عليها وانتهى كلّ شيء؟ قال الأب: نعم. قال الخاطب: هلاّ تسأل البنت؟ قال: هذا لا يعنيها، إنّما أمرها يعود إليّ !
ولا تقتصر الطرق الباطلة على المحرّمات والواجبات بل تصدق في المستحبّات والمكروهات أيضاً؛ ولذلك ينبغي للمسلم أن يكون على طريقة حقّ فيهما أيضاً؛ ومثاله: البدء بالتحيّة والسلام، فترى بعض الأشخاص لا يسلّم على أحد أبداً، وإذا سلّم عليه أحد اكتفى بالردّ عليه متكلّفاً، أمّا هو فلا يبدأ أحداً بالسلام ترفّعاً واستكباراً‍‍‍ !!
إذن يمكن أن يكون المراد من قول الإمام سلام الله عليه «هدى صالح»: الإيمان الصالح، والمراد من «طريقة حقّ»: السنن الصحيحة، كما يمكن أن يكون الثاني عطفاً تفسيرياً للأوّل.
وعلى كلّ حال، فإنّ المهمّ في الأمر هو الثبات على الهدى الصالح وطريق الحقّ؛ ولذلك قال الإمام سلام الله عليه: «وطريقة حقّ لا أزيغ عنها». فما أكثر الذين كانوا على طريقة الحقّ ولكنّهم لم يستمرّوا عليها؛ إمّا نتيجة مشكلات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية أو تأثّراً بغيرهم. وفي كلّ الأحوال لا ضمان لأيّ أحد بالثبات على طريقة الحقّ إلاّ بالدعاء والاستعانة بالله تعالى والسعي أيضاً؛ فالأمر بحاجةٍ إلى دعاء وخشوع وتضرّع، إضافة إلى السعي والجدّ.
ما يلفت النظر أنّ الإمام سلام الله عليه كان في الفقرات السابقة من الدعاء يعزي تغيّر الحالات كلّها لله تعالى، مثل قوله: «ولا ترفعني في الناس درجة إلاّ حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزّاً ظاهراً إلاّ أحدثت لي ذلّة باطنة عند نفسي بقدرها» إلا أنّه سلام الله عليه في هذه الفقرة من الدعاء نسب الجانب السلبيّ (أي الاستبدال والزيغ والشكّ) للإنسان نفسه، فقال: «ومتّعني بهدى صالح لا أستبدل به، وطريقة حقّ لا أزيغ عنها، ونيّة رشد لا أشكّ فيها»، فما هو السبب في ذلك؟
إنّ الله تعالى هو مسبّب الأسباب كلّها؛ ولذلك فكلّ فعل يصدر من الإنسان يكون منسوباً إلى الله تعالى من هذه الجهة؛ قال الله سبحانه: ﴿وَإنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ. قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾(1). ومن ثمّ فإنّ نسبة فعل الخير وما يصيب الإنسان من حسنات، إلى الله تعالى، وإن كان بفعل الإنسان وإرادته فإنّما هو من جهة التوفيق الإلهي، فلولاه لما كان الخير يصيب الإنسان مطلقاً، ولكن حيث إنّ الإنسان هو الذي يهيّئ السبب باختياره، وإنّ الله يغيّر حال الإنسان تبعاً لاختياره، فإنّ صدور الشرّ وما يصيب الإنسان من سيئة ينسب للإنسان نفسه؛ لأنّ الله تعالى يخلّيه وهوى نفسه في حبّ الشرّ وإتيانه. قال تعالى: ﴿مَا أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِك﴾(2) ومن هنا نفهم معنى نسبة الضلالة إلى الله في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾(3) ونسبتها إلى الإنسان في آيات أخرى، في حين نُسبت الهداية إلى الله تعالى وحده كما في قوله تعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾(4)، والسبب كما قلنا يعود للإنسان الذي جعله الله تعالى مختاراً ليختار أحد الطريقين، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن﴾(5). فرغم أنّ الله تعالى قد منح الإنسان حقّ الاختيار، إلاّ أنّه نسب تيسير الخير والشرّ معاً إليه سبحانه ؛ كما أنّ الأب الذي يعطي ابنه نقوداً وينصحه أن يصرفها في سبيل الخير ويحذّره من طرق الشرّ، ثمّ يخيّره ولكن الابن لا يعمل بوصيّة الأب ونصْحه، فينفق النقود في طريق الشرّ، فإنّ الأب لا يكون مسؤولاً عن تصرّف الابن، ومع ذلك يقول له: أنا المسبّب لما عملته لأنّني مكّنتك وخيّرتك.
إنّ الله تعالى مكّن الإنسان من فعل الخير أو الشرّ، ومنحه حقّ الاختيار، وفي الوقت نفسه شجّعه على فعل الخير والإقلاع عن الشر، كما دعاه للتوبة، فأرسل إليه الأنبياء والكتب، وجعل الأئمة الذين يهدونه ويعلّمونه، وكان من جملة تعاليمهم هو الدعاء إلى الله تعالى وطلب الثبات منه.


(1) النساء: 78.
(2) النساء: 79.
(3) الزمر: 23.
(4) القصص: 56 .
(5) البلد: 10 .
(6) قال تعالى: ﴿فأمّا من أعطى واتّقى * وصدّق بالحسنى * فسنيسّره لليسرى * وأمّا من بخل واستغنى * وكذّب بالحسنى * فسنيسّره للعسرى﴾ الليل: 5 - 10 .