» نية الرشد والثبات عليها

لقد طلب الإمام سلام الله عليه من الله تعالى الهدى الصالح وهو الإيمان والمعتقد الحقّ، وعدم الاستبدال به، وطلب الطريقة الحقّة وهي العادة والسنّة الصحيحة، وعدم الزيغ عنها. ثمّ طلب نيّة الرشد وهي إطارهما، فربما تكون الظروف والأجواء بحيث يكون الهدى الصالح وطريقة الحقّ هما الغالبان، فينضمّ إليهما أغلب الناس كما حدث أثناء فتح مكّة حيث قال تعالى: ﴿إذَا جَاءَ نَصْرُ الله ِ وَالْفَتْحُ وَرَأيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللهِ أفْوَاجاً﴾(1)، لأنّ الدخول في الإيمان سهل والكفّة الدنيوية الراجحة بيد أهل الحقّ، ففي مثل هذه الحالة لا تعرف حقيقة النوايا، لدى تلك الأفواج، خلافاً للاطمئنان الحاصل من صدق نوايا أولئك الذين أسلموا في مكّة المكرّمة ـ عندما كانت بيد المشركين ـ رغم تعرّضهم لشتّى صنوف العذاب(2)؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْح وَقَاتَلَ﴾(3).


كيف نحصّن نيّاتنا؟
أسند الإمام سلام الله عليه طلبه هذا بطلب آخر يؤمّن على المعتقد فقال: «نيّة رشد لا أشكّ فيها»، والشك في النيّة مسألة مهمّة جداً تتطلّب انتباهاً كبيراً من الإنسان؛ لأنّ الشيطان يركّز كلّ جهوده عليها من أجل أن يزلّ الإنسان ويحرفه عن الهدى الصالح والطريقة الحقّة. ولكي ندرك أبعـاد حملة الشيطان علينـا، فلنتأمّل في الآية التالية فهي تحكي عزم إبليس وإصراره على إغواء البشر، وهو يقسم لله تعالى، على ذلك؛ كما حكاه القرآن الكريم: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾(4) أي لا أدعهم يصلون إليك بل أقف في طريقهم، فكلّما أتوك من جهة واجهتهم منها حتّى أصرفهم عنك، ومن لا تنفع معه المصارحةـ أي الإتيان من أمام ـ أتيته من خلف، أي ألبست له الحقّ بالباطل، أو قلت له: انظر إلى فلان وفلان ارتكب كذا وهو أعظم منك شأناً أو أحسن منك حالاً ومعاشاً.
فلنكن على حذر من ألاعيب الشيطان الرجيم وأساليبه، ونطلب من الله تعالى نيّة الرشد والثبات عليها.
في مقابل هذا، جعل الله تعالى لنا العروة الوثقى إن تمسّكنا بها لم نزِغ ولم ننحرف أبداً، ذلكم هو القرآن الكريم وعترة النبي صلّى الله عليه وآله، فهما السنام الأمثل والمعيار الحقّ الذي نعرف من خلالهما - أي بتمسكنا والتزامنا بهما وعدم الابتعاد عنهما - عدم انحرافنا عن الطريقة الحقّة وعدم استبدالنا شيئاً بالهدى الصالح والطريقة الحقّة، فلا نشكّ في نيّاتنا البتّة.
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «أيّها الناس إنّي تارك فيكم الثقلين»، قالوا: يا رسول الله و ما الثقلان؟ قال: «كتاب الله و عترتي أهل بيتي، فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض كإصبعيّ هاتين» - وجمع بين سبّابتيه - «ولا أقول كهاتين» - وجمع سبّابته والوسطى - «فتفضل هذه على هذه»(5).
فههنا نكتة جديرة بالتأمّل، وهي أنّ الناس - عادةً - إذا أرادوا وصف شيئين بأنّهما لن يفترقا مثّلا لهما بجمع السبّابة والوسطى، ولكنّا نلاحظ أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله جمع بين سبّابتيه، فلماذا فعل ذلك؟
لقد أراد صلّى الله عليه وآله أن يبيّن ـ إضافة إلى أنّهما لن يفترقا ـ أنّهما عدلان، وبما أنّ الوسطى أطول من السبابة قليلاً فلم يجمع بينهما، بل جمع صلّى الله عليه وآله بين سبّابتيه، الأمر الذي يدلّ على أن القرآن الكريم وأهل البيت سلام الله عليهم عِدْلان.


أهل البيت هم المعيار لمعرفة الحقّ
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «عليّ مع الحقّ والحقّ مع علي، يدور معه حيثما دار»(6). إنّ إخبار رسول الله صلّى الله عليه وآله بأنّ عليّاً مع الحق، يلزم منه أنّ الحقّ معه أيضاً؛ هذا ما يفيده قياس المساواة، فلو كان عمرو مع زيد، فهذا يعني أنّ زيداً مع عمرو أيضاً، ولكن الرسول صلّى الله عليه وآله أراد بذلك التأكيد ومزيد الإلفات.
هنا أيضاً نكتة أخرى جديرة بالالتفات، وهي أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله قال: «يدور معه حيثما دار» ولم يقل: يدور حوله. وذلك في بيان لكشف العلاقة بينه سلام الله عليه وبين الحقّ كعلاقة القميص بمتقمّصه، فكيف أنّ القميص يدور حيثما دار لابسه، كذلك الحقّ مع أمير المؤمنين عليه السلام. وبهذا أراد النبي صلّى الله عليه وآله أن يقول: إنّ عليّاً هو ميزان الحقّ ومعياره؛ ولذلك فإنّ الحقّ يدور مع علي، وليس العكس. فهذه نكات بليغة ينبغي لنا أن نتوقّف عندها، لعلّنا نكتشف بعض مضامينها الرائعة؛ حيث المتبادر إلى فهمنا من خلال هذا الحديث هو أنّ الأشخاص مهما عظموا لا يمكن أن يكونوا معياراً للحقّ أبداً، باستثناء أهل البيت سلام الله عليهم.
فأهل البيت سلام الله عليهم هم العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ولا يشاركهم في ذلك غيرهم بالغاً ما بلغ، لأنّهم الأئمّة المعصومون، وقد جعلهم النبي صلّى الله عليه وآله عدلاً للقرآن، ومعياراً لمعرفة الحقّ، فالآخرون يعرضون على هذا المعيار، ليعرفوا إن كانوا على حقّ أم لا، أمّا أهل البيت صلوات الله عليهم فلا يعرضون على أحد؛ «لا يقاس بآل محمّد من هذه الأمّة أحد»(7).
دخل الحارث الهمداني على أميرالمؤمنين عليه السلام في نفر من الشيعة وقال: نال الدهر يا أمير المؤمنين منّي، وزادني أواراً وغليلاً اختصام أصحابك ببابك، قال سلام الله عليه: وفيم خصومتهم؟ قال: فيك وفي الثلاثة من قبلك، فمن مفرط منهم غالٍ، ومقتصد تال، ومن متردّد مرتاب، لا يدري أيقدم أم يحجم! قال سلام الله عليه: «قدك(8) فإنّك امرؤ ملبوس عليك؛ إنّ دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحق، فاعرف الحقّ تعرف أهله»(9).
وهذه كلمة يخضع لها التاريخ ويجدر أن يقف لها حتى أعداء الإمام سلام الله عليه إجلالاً، فما أبلغها وأغناها، إنّ حياة كلّ إنسان واعٍ من بدايتها إلى نهايتها رهينة هذه الكلمة الخالدة.
فمن عرف الحقّ ـ وهو ما صرّح به الرسول صلّى الله عليه وآله في حديثه المتواتر: إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً ـ لا يتزلزل إيمانه بعد ذلك وإن تغيّر زيد من الناس أو عمرو، أو رأى رجالاً انحرفوا وكانوا قبل ذلك صالحين قضوا أعمارهم في الصلاح ثمّ انحرفوا في آخر ساعة من حياتهم.
فإن لم نتّخذ أهل البيت سلام الله عليهم ملاكاً وعروة فلا ضامن لنا من الاستبدال، لأنّ عدوّنا متخصّص في الإغراء والإغواء، ومتفرّغ لنا ولا شغل له غير ذلك، ولا مشكلة عنده تلهيه عنّا، وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه(10).
ولكن الله الحكيم قد جعل لنا أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم وأمرنا بالاعتصام والتقوّي بهم على الشيطان وتسويلاته.
فلنتمسّك بهم ونزن مواقفنا بمعاييرهم، لنضمن استقامتنا وثباتنا، ونؤوب إلى الحقّ والهدى أبداً.
لقد التحق بالإمام الحسين منذ اليوم الأوّل لخروجه من مكّة تجاه العراق، جموع غفيرة من الناس، وكان هؤلاء الذين التحقوا به جميعهم مسلمين، مصلّين صائمين، بل عرّضوا أنفسهم للخطر؛ لإيمانهم بإمامة الحسين، ولكن كم بقي منهم في اليوم العاشر؟
ذكرت المقاتل أنّه لم يبقَ مع الإمام سوى اثنين وسبعين، فيما انهزم الباقون. وهذا معناه أنّه هرب أكثر الذين جاءوا مع الإمام الحسين عليه السلام. وهذا نوع من الاستبدال والزيغ. إذن ما الضمانة في أن لا نزيغ ولا نستبدل بالهدى الضلال؟
لا ضمانة إلا الدعاء والسؤال من الله بنبيّه وأهل بيته سلام الله عليهم، مع المواظبة من قبل أنفسنا نحن أيضاً.
قد يخدع الشيطان الإنسان بأهون شيء فيبتاع منه دينه. إنّ كلّ شيء يمكن أن نُخدع به في هذه الدنيا لا يستحقّ أن نساوم به على ديننا، فإنّ الدنيا كلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولا فرق بين المليار والفلس الواحد من المال الحرام إلا في الحجم.
روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروى أنّ هذه الآية ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الْحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ نزلت في علي عليه السلام، وأن الآية الثانية ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ نزلت في ابن ملجم، فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل أربعمائة فقبل(11). ولكن مهما كان المبلغ الذي أخذه سمرة فهو خسر على كلّ حال.
لقد مات أبو ذر رحمه الله وهو جائع بينما كان يمكنه أن يخلّف الملايين كما خلّف صاحبه عثمان بن عفان(12).
لقد كان أبو ذر وعثمان يحضران معاً محاضر رسول الله صلى الله عليه وآله طيلة عشرين عاماً ويصلّيان معاً خلف رسول الله صلّى الله عليه وآله، وشاهداه معاً تأتيه الأموال ولكن أبا ذر يموت جوعاً، والآخر يخلّف ما سمعت. فالنبي الأكرم عندما أوشك أن يدعى قال لعلي: يا علي أنت قاضي ديني(13). فمات صلّى الله عليه وآله مديناً ليهودي قد رهن عنده درعه صلّى الله عليه وآله؛ وهكذا كان أبو ذر في متابعته لسيرة رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يستبدل به كما فعل غيره. نسأل الله تعالى الثبات على الهدى والحقّ والرشد.


(1) النصر: 1.
(2) كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يذهب بشخصه الكريم إلى القبائل والوفود الذين كانوا يأتون إلى مكّة في موسم الحج - وكان الحجّ موجوداً قبل الإسلام ولكن الإسلام خلّصه من الطقوس الوثنية - فكان صلّى الله عليه وآله يعرض عليهم الإسلام فكان بعضهم يرفض =
= وقسم قليل يقبل دعوته، وكان بعضهم يسيء الأدب مع النبي صلّى الله عليه وآله وربما لا يدعه يتكّلم.
تصوّر كم كان الأمر صعباً في البداية، وكم كان يعني الدخول في الإسلام؛ وهذا يعني أنّ الهدى الصالح والطريقة الحقّة التي كان عليها غالب المسلمين الأوائل، أعني تلك الثلّة المؤمنة منهم، لم تكن تقليداً أو من باب «حشر مع الناس عيد» بل كان إطارها النيّة الصادقة والعقيدة الراشدة.
(3) الحديد: 10.
(4) الأعراف: 17.
(5) تفسيرالقمي: 1 / 180.
(6) بحار الأنوار: 28 / 368 .
(7) نهج البلاغة : 46 الخطبة 2 بعد انصرافه من صفّين.
(8) أي حسبك.
(9) الأمالي للمفيد: 3 ح 3، المجلس الأوّل.
(10) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم... (مستدرك الوسائل: 16 / 220 ح 16).
(11) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 4 / 73.
(12) قال المسعودي: في أيّام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال، فكان له ـ لعثمان ـ يوم قُتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائتا ألف دينار، وخلّف إبلاً وخيلاً كثيرة. تاريخ ابن خلدون: 1 / 204.
(13) بحار الأنوار: 38 / 74، باب 60.