» الفرق بين العيب والعائبة والنقص

في هذه الفقرات الثلاث نرى أنّ الإمام السجّاد سلام الله عليه يسأل الله تعالى ثلاث حاجات، ولكنّه في سؤاله عن كلّ حاجة يستعمل كلمة غير التي يستعملها في السؤال عن الحاجة الأُخرى، فمع أنّ الإمام يطلب من الله تعالى في هذه الفقرات إصلاح الحال وما تنطوي عليه النفس من نقائص، وتغييرها إلى ما هو أحسن، ولكنّه يعبّر عن النقص الأوّل بالخصلة المعيبة ويطلب من الله تعالى إصلاحها، ويعبّر عن النقص الثاني بالعائبة التي يؤنّب بسببها ويسأل الله تعالى تحسينها، ويعبّر عن النقص الثالث بنقصان الأكرومة ويطلب من الله تعالى إتمامها.
فالخصلة التي تعاب بحاجة إلى إصلاح، والعائبة التي يؤنّب بسببها المرء ويلام تحتاج إلى تحسين، والأكرومة الناقصة تتطلّب إتماماً.
ولا شكّ أنّ الألفاظ التي استعملها الإمام تنطوي على بلاغة عالية وعلى عالم من المعاني والمفاهيم.
يمكن تقريب المطلب عبر أمثلة:
• شخص سيّئ الخلق، كالعبوس المتجهّم.
• شخص حسن الخلق ولكنّه خارج عن حدّ الاعتدال، ككثير المزاح والهزل.
• شخص حسن الخلق مع بعض الناس دون بعض.
فهذه ثلاث حالات.
أمّا الشخص الأوّل (سيّئ الخلق) فهو بحاجة إلى إصلاح؛ لأنّ سوء الخلق فساد، والفساد يتطلّب إصلاحاً.
وأمّا الشخص الثاني (المبتلى بالإفراط رغم وجود الفضيلة عنده) فهو بحاجة إلى تحسين وضعه وحاله، لأنّ الإفراط عيب(1) وليس فساداً لكي يُقلع بالمرّة؛ بل عنده فضيلة ولكن علق بها بعض الشوائب؛ فلابدّ من تحسينها وتشذيبها فقط.
وأمّا الشخص الثالث (الحسِن الخلق مع بعض دون بعض، أو الذي يمارس الفضيلة أحياناً دون أُخرى)، فهو ينطوي على أكرومة ولكنّها ناقصة؛ فيقتضى إتمامها. ومثالها: الشخص يكون حسن الخلق في المجتمع ولكنّه ليس كذلك مع أهله، أو العكس، فمثل هذا الإنسان ليس سيّئ الخلق مطلقاً ليكون محتاجاً إلى الإصلاح، ولا حسن الخلق مع إفراط ليحتاجَ إلى تحسين، ولكنّه لا يتوفّر على بعض الفضائل وإن كان يتوفّر على بعض آخر، أو يتوفّر عليها ولكن ليس دائماً، أو مع بعض الناس دون بعض، فهو لذلك بحاجة إلى إتمام ما ينقصه.
وهكذا يتّضح أنّه كما ينبغي التدبّر في آيات القرآن الكريم، بل قد يجب من باب مقدّمة الوجود - حسب الاصطلاح الأصولي - فكذلك ينبغي وقد يجب التدبّر في أدعية المعصومين عليهم السلام ومواعظهم وأحاديثهم وآثارهم؛ فإنّ التدبّر فيها يكشف عن دقائق ونفائس في طيّ كلماتهم تنير حياتنا.
خذ مثلاً كلمة (عائبة) وهي مؤنّث (عائب) والشيء العائب يحتاج إلى تحسين وترميم؛ كالسفينة إذا خرقت وأصبحت معيبة فإن لم ترمّم نفذ إليها الماء تدريجياً وآل أمرها إلى الغرق، كما نقرأ ذلك في قصّة موسى والخضر عليهما السلام في قوله تعالى حكاية عنهما:
﴿أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينِةٍ غَصْباً﴾(2).
وهكذا الحال مع النفس الإنسانية إذا كان فيها عيب وخلل يلام عليه الإنسان، فلابدّ من ترميمها وإزالة ذلك الخلل والعيب؛ ولذلك يقول الإمام سلام الله عليه: «ولا عائبة اُؤنّب بها إلاّ حسّنتها».
وإذا كان الأئمّة المعصومون سلام الله عليهم وهم في أعظم مقام يمكن أن يبلغه مخلوق، يطلبون من الله دائماً أن يعينهم على التكامل، فما أحوجنا لأن نتوسّل بالله تعالى في الإطار نفسه، فإنّ الإنسان كلّه نقص وافتقار لله تعالى، ومن ثمّ فهو مدين لله تعالى ويجب عليه أن يتوجّه إليه بالشكر على كلّ النعم سواء في الأُمور المادّية أو المعنوية. حتّى نعمة الشكر على ما أنعم عليه، فإنّها تستوجب شكراً، ولذلك لا يتوقّف شكر الإنسان لله تعالى عند حدّ.
لقد أنعم الله تعالى على الإنسان بالنعم المادّية لكي يستطيع أن يزكّي نفسه، ومنحه القوى لكي يكتسب المعالي والفضائل.


(1) يقول علماء الأخلاق: إنّ كلّ فضيلة هي وسط بين رذيلتين هما الإفراط والتفريط. فالكرم وسط بين البخل والإسراف، والشجاعة وسط بين الجبن والتهوّر، وهكذا. وكلّ شيء جاوز حدّه انقلب إلى ضدّه. ومثال ذلك وضع الملح في الطعام فإنّ زيادة الكمية نقصٌ كما نقصانها. فالفضائل مطلوبة، ولكن ضمن حدودها، فإن تجاوزتها انقلبت إلى أضدادها.
(2) الكهف: 79.