» إبدال الظنّة والعداوة إلى الثقة والولاية

يقول الإمام السجّاد سلام الله عليه بعد ذلك: «ومن ظنّة أهل الصلاح الثقة»، والظنّة - بكسر الظاء - : التهمة.
وههنا لابدّ من وقفة أيضاً؛ تارةً يتّهم الإنسانَ شخصٌ فاسق ويظنّ به سوءاً فهذه حالة عادية؛ لأنّ من طبيعة الفسّاق أن يظنّوا بالناس السوء.
وتارةً يكون المتّهِمون للإنسان والظانّون به سوءاً هم أُناس عاديون أي ليسوا فسّاقاً ولا على درجة مشهودة من الصلاح والفضل، وهذه الحالة قد تهون أيضاً.
ولكن ماذا لو أنّ التهمة وظنّة السوء صدرت تجاه الإنسان من أناس صالحين؟ لا شكّ أنّ الأمر يختلف في هذه الحالة.
فكيف إذا كان المتّهِم للإنسان من وصفهم الإمام بأهل الصلاح، أي شيمتهم الصلاح؟ هنا تكون الطامّة الكبرى؛ وذلك لأنّ أهل الصلاح لا يتّهمون أحداً جزافاً، ولا يتسرّعون في إصدار الأحكام بلا رويّة، بل يحتاطون في أُمورهم كثيراً ويحملون أفعال الناس على محامل حسنة ما استطاعوا، لتقيّدهم بالشرع وأحكامه، وعملهم بما روي من أنّه احمل فعل أخيك على سبعين محملاً.
وكما أنّهم لا يتّهمون أحداً جزافاً، كذلك فهم لا يثقون بأحد سراعاً، بل إنّهم يرجعون إلى مقاييسهم الشرعية والعرفية، ولهذا لو اتّهم أهل الصلاح أحداً ما، حصل الظنّ بأنّ هناك سبباً وراء ذلك.
ثمّ إنّ الإمام سلام الله عليه لا يكتفي بطلبه من الله تعالى أن يدفع عنه تهمة من يُحسَب لتهمهم حساب ـ وهم الذين دأبوا على الصلاح حتّى عُرفوا بأهل الصلاح ـ بل يطلب إبدالها إلى الثقة وحسن الظنّ.
كما نلاحظ أيضاً وجود الفاصلة الكبيرة والبون الشاسع بين الظنّة والثقة، حيث يطلب الإمام من الله تعالى استبدال الظنّة بالثقة.


إبدال عداوة الأدنين إلى الولاية
فإذا انتقلنا إلى الجملة الثالثة من هذا المقطع من الدعاء نرى أنّ الإمام سلام الله عليه يعلّمنا أيضاً أن ندعو الله تعالى ونطلب منه أحسن الطلبات وأعلاها بعد التخلّص من أسوأ الحالات وأدناها فيقول: «ومن عداوة الأدنين الولاية» أي أبدلني من عداوة هؤلاء القوم ولاية ومحبّة.
فلفظة الأدنين جمع الأدنى وهو اسم التفضيل من الدناءة والدنوّ(1)؛ ذلك أنّ الشخص قد يكون قريباً ظرفيّاً فيقال عنه دانٍ، ويجمع على «أدنين»، وقد يكون إنساناً سيّئاً أي فيه دناءة وحقارة؛ فيقال عنه دنيء.
ولا ريب أنّ الإمام سلام الله عليه يقصد المعنى الثاني في قوله: أدنين، لأنّه سيشير إلى ذلك المعنى الذي يكون المعنى فيه ظرفيّاً في قوله بعد ذلك: ومن خذلان الأقربين.
والتفضيل - في اسم التفضيل - يكون في اللغة بواسطة أحد ثلاثة أنحاء: هي حرف الجر «من» و«الإضافة» و «أل» التعريف، فيكون مقيّداً في الحالتين الأُوليين، ومطلقاً في الحالة الثالثة. فلو قلنا: (زيد أدنى من عمرو) فهذا لا يعني بالضرورة أنّه الأدنى مطلقاً، فقد يكون الأرفع بالنسبة لغيره ولكنّه أدنى من عمروٍ خاصّة، وهكذا إذا قلنا: (زيد أدنى ثقيف) فإنّه لا يعني أيضاً أن يكون الأدنى مطلقاً، وإن توسّعت نسبة دناءته، حتّى بلغت تقاس بقوم، ولكنّه قد لا يكون كذلك بالنسبة لقوم آخرين.
أمّا إذا قلنا: (الأدنى) كما في عبارة الدعاء فإنّ التفضيل هنا يفيد الإطلاق، أي يكون زيد أدنى من كلّ ما يُتصوّر؛ لعدم تقييده بشخص ما أو بقوم أو مكان أو زمان أو غير ذلك.
إذا اتّضح هذا نقول: إنّ الإمام سلام الله عليه في هذه الجملة أيضاً لم يكتفِ بطلبه من الله تعالى أن يخلّصه من العداوة فقط، بل يطلب تبديلها إلى محبّة، بل قمّة المحبّة وهي الولاية - كما سنبيّن لاحقاً - كما أنّ الإمام لم يكتف بطلب ذلك الاستبدال على المستويات العادية بل ترقّى إلى طلب إبدال أشدّ الحالات سوءاً بأفضل الحالات حسناً.
بيان ذلك: إذا كان الشخص الدنيء يبحث عن المشاكل عادة ويسبّب بطبعه متاعب للآخرين، فإنّ الأدنى يكون أشدّ كلَباً، لذا فالإمام سلام الله عليه يعلّمنا كيف نطلب من الله تعالى أن يبدّل هذه العداوة - التي هي ليست عداوة كلّ أحد ولا عداوة الداني فقط. ولا حتّى عداوة من هو أدنى بالنسبة لقومه بل عداوة الأدنى مطلقاً - إلى محبّة بل إلى ولاية.


معنى الولاية في الدعاء
إنّ الولاية غير الصداقة والصداقة غير الصحبة، فتارةً يكون الشخص صاحباً لك أو رفيقاً وزميلاً، وتارةً يكون صديقاً، والصداقة أعلى درجة من الصحبة، لأنّ الصديق من صدَقَك، ولا يشترط في الصاحب والرفيق ذلك؛ عن سعيد بن الحسن قال: قال أبو جعفر عليه السلام: «أيجيء أحدكم إلى أخيه فيدخل يده في كيسه فيأخذ حاجته فلا يدفعه؟» فقلت: ما أعرف ذلك فينا. فقال أبو جعفر عليه السلام: «فلا شيء إذاً». قلت: فالهلاك إذاً. فقال: «إنّ القوم لم يعطوا أحلامهم بعد»(2).
وأعلى من الصداقة المودّة، وأعلى منها الولاية - بفتح الواو - لأنّ الولاية ليست صرف المحبّة حسب، بل المحبّة المقرونة بالصداقة والمودّة، وإظهارها مع الانصياع التامّ لمن تتولاّه.
أمّا الولاية - بالكسر - فهي الحكومة، على أي مستوى كان، فإذا قبلتَ ولاية أحد عليك فهذا معناه أنّك قبلت أن يكون رئيساً أو قائداً لك؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ...﴾(3).
الخلاصة: إنّ الإمام في هذا المقطع من الدعاء يطلب من الله تعالى أن يبدّل عداوة الأدنين - وهي أشدّ العداوة - إلى الولاية وهي أعلى المحبّة.


ضرورة التدبّر في كلمات الدعاء
ثمّة نقطة ينبغي الالتفات إليها، وهي أنّ هذه الأدعية المرويّة عن الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم ليست دعوة منهم لترك الأُمور على الله تعالى يعالجها بطريقة إعجازية دون أن يحرّك الداعي نفسه باتّجاه معالجتها؛ بل الأمر على العكس من ذلك، فإنّ هذه الأدعية تنهض بدور بيان السلبيات الموجودة في المجتمع لكي يعيها المتديّنون ويسعوا لتلافيها.
أذكر مسألة تنفعنا في إيضاح المطلب، وهي: أنّ هناك بحثاً ونقاشاً بين العلماء في قضية الأوامر غير الاختيارية التي يكلّف الله بها عباده وكيفية توجيهها. ومثال تلك الأوامر قول الله تعالى في كتابه المجيد خطاباً لنبيّه الكريم صلى الله عليه وآله: ﴿قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(4)، فإنّ منطوق هذه الآية يبيّن أنّ الله تعالى يأمر المسلمين بمودّة آل البيت النبوي الطاهر، والسؤال هو: إذا كانت المودّة تعني المحبّة مع إظهارها، وإذا كان الإظهار أمراً اختيارياً، فإنّ المحبّة نفسها ليست فعلاً اختيارياً بل هي مناط قلبيّ، لأنّك إذا كنت لا تحبّ أحداً فلا معنى لأن تؤمر بحُبّه إذاً فما هو معنى ووجه هذا الأمر مع أنّ التكاليف لا تتعلّق بالأُمور غير الاختيارية؟
يجيب العلماء على هذا السؤال بقولهم: إذا كان المسبّب غير اختياريّ وكان السبب اختيارياً، فإنّ الأمر بالمسبَّب يعني الأمر بالسبب، والمودّة - في المقام - كذلك فإنّها وإن كانت أمراً غير اختياري لأنّ الإنسان إذا رأى خيراً من أحد تعلّق به قلبه دون اختياره، كما هو الحال في البغض أيضاً فإنّ الإنسان إذا رأى شرّاً من أحد أبغضه، إلاّ أنّ أسباب الحبّ والبغض اختيارية يمكن أن يتوفّر عليها الإنسان.
فيكون معنى الأمر الإلهي بحبّ أهل البيت سلام الله عليهم هو العمل بما من شأنه أن يؤدّي بالإنسان إلى حبّهم، كقراءة فضائلهم والاطّلاع على سيرتهم العطرة؛ لأنّ الإنسان إذا عرف أهل البيت سلام الله عليهم فإنّه لا يمكنه أن لا يحبّهم إلاّ أن يكون سقيم الفطرة فينكر ذلك رغم وقوفه على عظمتهم، كما قال الله تعالى واصفاً منكري آياته: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أنْفُسُهُمْ﴾(5) فإنّهم متيقّنون من صحّتها في قلوبهم وهذا أمر غير اختياريّ، ولكنّهم لا يُظهرون ذلك جحوداً.
ويمكن أن نضرب مثلاً آخر وهو الهلال في شهر رمضان المبارك، فإنّ المكلّف مأمور بأن يصوم لرؤيته ويفطر لرؤيته؛ لذلك إمّا أن يستهلّ بنفسه أو يسأل مرجع تقليده مثلاً حتّى يحصل له اليقين أو الظنّ بأنّ الهلال قد هلّ فيعمل بوظيفته؛ فاليقين أو الظنّ الحاصل ليس أمراً اختيارياً ولكن الأسباب التي أدّت إليه اختيارية؛ ولذلك يتوجّه إليها الأمر.
بيد أنّ نفس أمر القرآن الكريم، يكفي سبباً لحصول المحبّة بذي قربى النبي صلى الله عليه وآله.
قضية الدعاء والطلب من الله تعالى تشبه المثالين اللذين تقدّما - أي الأمر بالحبّ في المثال الأوّل، والظنّ أو اليقين في المثال الثاني - فكما أنّ الأمر بهما يعني الأمر بتهيئة مقدّماتهما، فكذلك عندما يعلّمنا المعصومون أن نطلب أُموراً من الله تعالى فإنّ في ذلك دعوة لنا لكي نعمل في ذلك الاتّجاه، وإلاّ لا معنى لأن تطلب من الله شيئاً وأنت تعمل على خلافه لأنك بذلك تحول دون تحقيقه، وليس معنى الدعاء أن يحقّق الله المطالب كلّها بطريقة إعجازية.
فعندما يدعو الإنسان ربّه لأن يجنّبه عداوة الأدنين، فعليه أيضاً أن يتجنّب ما من شأنه أن يثير تلك العداوة. ففي المجتمع عادة يوجد أُناس دنيئون ديدنهم إيذاء الآخرين، فعلى العاقل أن لا يجعل نفسه عرضة لإيذائهم، وأن لا يعمل ما من شأنه أن يثير عداوتهم .
إذاً مفهوم الدعاء في قول الإمام سلام الله عليه: «وأبدلني... من عداوة الأدنين الولاية»(6) يُظهر ـ إضافة إلى عنصر الطلب من الله تعالى ـ وجوب أن يضمّ إليه العمل على تجنّب الخصال السيّئة من قبل الداعي نفسه.
وهكذا الأمر بالنسبة لقوله سلام الله عليه: «ومن ظنّة أهل الصلاح الثقة»، فإنّ الأحاديث الشريفة وتعاليم النبي صلى الله عليه وآله والأئمّة المعصومين من آله سلام الله عليهم تدعو الإنسان المسلم وتحثّه للعمل على اتّقاء مواضع التّهم(7) عامّة، فكيف بظنّة أهل الصلاح.
فقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان مع إحدى نسائه، فمرّ به رجل فدعاه صلى الله عليه وآله، فجاء، فقال: «يا فلان، هذه زوجتي فلانة». فقال: يارسول الله من كنت أظنّ به فلم أكن أظنّ بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم»(8).
ربما لم يكن هذا الشخص متّهِماً للنبيّ صلى الله عليه وآله، وربما كان من المنافقين الذين يتربّصون بالنبيّ، فقطع صلى الله عليه وآله الطريق عليه بذلك؛ ليعلّمه ويعلّمنا كيف نتّقي مواضع التّهم.
إذاً لا يكفي أن يقول المرء: «اللهمّ جنّبني مواضع التّهم» أو «أبدلني من ظنّة أهل الصلاح»، وهو لا يتّقي مواضع التّهم، وإنّما عليه أن يسعى بعمله لتجنّب توجّه التّهمة إليه من أبسط الناس فضلاً عن تهمة أهل الصلاح، الذين لا يتّهمون أحداً جزافاً، وإذا فعلوا فإنّ تهمتهم لا يقدر على إزالتها أو مسحها إلاّ الله، بمعنى أن يحاول الإنسان ما أمكنه تجنّب كلّ ما من شأنه أن يسبّب تهمة أهل الصلاح له، وإذا ما صدر منه ما يجعل أهل الصلاح يظنّون به أو يتّهمونه يسرع بالطلب من الله تعالى أن يبدّل ذلك الظنّ إلى ثقة، بحوله وقوّته.


ما أعظم الذين وثقهم المعصومون صلوات الله عليهم
لابدّ أن يكون للصلاح أهل يحملونه ويعملون به، ولابدّ أن يكون لأهل الصلاح رأس وذروة وسنام يستضيئون به ويستزيدون، ولا أجدر من أئمّة أهل البيت النبويّ المعصومين سلام الله عليهم، فهم خيرة أهل الصلاح وأئمّتهم وقادتهم وعظماؤهم، فلو أُطلقت هذه الكلمة (أهل الصلاح) فالمصداق الحقيقي لها والأولى بها هم سلام الله عليهم.
كما أنّ هناك جملة ممّن حاز على ثقتهم صلوات الله عليهم سواء كانوا على مستوى أفراد أو جماعات. فمن الذين حازوا هذا الشرف، عائلة كبيرة من الأشعريين عاصروا الأئمّة منذ الإمام السجّاد أو الباقر سلام الله عليهما حتّى صاحب الأمر عجّل الله تعالى فرجه الشريف، والعشرات منهم كانوا من أصحاب الأئمّة والعديد منهم جيّدون بل جيّدون جدّاً، منهم زكريا بن آدم المدفون في المقبرة القريبة من مرقد السيّدة فاطمة المعصومة(9) ومن عبّر عنه الإمام المعصوم عليه السلام بقوله: المأمون على الدين والدنيا(10).
فما أعظم مقام هذا الشخص! ففرق بين أن يقول هذه الكلمة شخص عادي بحقّ آخر وبين أن تصدر من إمام معصوم يعرف خفايا الأمور وظواهرها، ونحن نعتقد استناداً إلى الروايات سواء بالأدلّة المطابقية أو التضمّنية أو الالتزامية أنّ الإمام المعصوم هو نفس النبيّ صلى الله عليه وآله باستثناء النبوّة؛ قال تعالى:()وَأنْفُسَنَا وَأنْفُسَكُمْ﴾(11).
صحيح أنّ درجاتهم تختلف ولكنّهم نور واحد ومن طينة واحدة، لا يتخلّف عن ذلك أيّ منهم.
فحينما ينعت الإمام صلوات الله عليه زكريا بن إبراهيم بأنّه «مأمون على الدين والدنيا» أو يصف «العمري» وابنه بأنّهما «ثقتان»(12) فإنّه يريد التصريح بنزاهتهم ووثاقتهم، وهذه مرتبة عظيمة.
ينقل أنّ الشيخ البهائي رحمه الله سئل: أيّهما أفضل؛ زكريا بن آدم أم الشيخ الصدوق؟ فأجاب الشيخ البهائي: زكريا بن آدم. هذا رغم قلّة ما وصلنا منه عن الأئمّة وكثرة ما وصلنا من الشيخ الصدوق من كتب ملأت أدراج المكتبات وبيوت الشيعة، وقد لا أُبالغ إن قلت بأنّه لا توجد عبادة نؤدّيها ولا كثير من الأحكام والإرشادات والأدعية والزيارات والأخلاق والآداب إلاّ وقد وصلنا جزء منها عن طريق الشيخ الصدوق؛ فكم هو جليلٌ إذاً.
لكن الشيخ البهائي مع ذلك قال: إنّ زكريا أعظم من الشيخ الصدوق، وبرّره بأنّ الإمام المعصوم قال عنه بأنّه: «المأمون على الدين والدنيا» ولم يرد مثل ذلك بحقّ الشيخ الصدوق.
يقال: فرأى الشيخ البهائي في منامه الشيخ الصدوق وهو يعاتبه قائلاً: لو قال الذي قلته غيرك لعذر، أمّا أنت العالم فكيف تقول ذلك؟ فقال الشيخ البهائي: ما قلت الذي قلت إلاّ لقول المعصوم في زكريا. فقال: ولكنّي لم أكن معاصراً للمعصوم لتستظهر تزكيته لي، فالمقارنة غير صحيحة. فتوقّف الشيخ البهائي بعد ذلك عن هذه المفاضلة.
ولكن شاهدنا أنّ تزكية المعصوم لشخص يوجب الاطمئنان الكامل به وبعظمة منزلته.
وعلى أيّة حال، فإنّ بإمكان الإنسان أن يكسب ثقة أهل البيت سلام الله عليهم حتّى في هذا الزمن، فهذا ليس بالمستحيل ولا بالصعب جدّاً، ولعلّه في هذا الزمان أسهل من زمن زكريا بن آدم، لا أقول إنّه ليس صعباً أبداً، ولكنّي أُريد القول إنّه ممكن تحقيقه ولكنّه يتطلّب الجدّ والإرادة.
قد يستطيع الإنسان أن يحوز على ثقة الناس العاديين ولكن حصوله على ثقة الإمام المعصوم ليس بتلك السهولة؛ لأنّ الإمام يعرف خفايا الإنسان وما يظهره.


المعصومون يشهدوننا
يحكى أنّ أحد الأشخاص كان ذا التزام دينيّ ظاهريّ ذهب لزيارة الإمام الرضا سلام الله عليه لطلب الحوائج منه. وكانت حوائجه كثيرة إلاّ أنّ أيّاً منها لم يتحقّق. يقول الشخص نفسه: ولكنّي قبيل خروجي من الروضة المباركة طلبت من الإمام سلام الله عليه أن يبيّن لي منزلتي عنده، وإذا بشخص يناديني باسمي الحقيقي الذي كنت أُخفيه عن سائر الناس ولا يعرفه إلاّ الخواص جدّاً، فاستغربت من ذلك، ثمّ إنّه أنبأني بأنّ منزلتي ومقامي كذا وكذا ـ ويبدو أنّه كان مقاماً بائساً ـ .
ويقال إنّ شخصاً كان في زيارة للإمام الرضا سلام الله عليه فبدر إلى ذهنه هذا السؤال: إذا كان ردّ السلام واجباً فهل الإمام يردّ جواب كلّ زائر يسلّم عليه منفرداً أم يجيب بجواب واحد للجميع كأن يقول: عليكم السلام جميعاً؟ فظهر له الإمام في عالم المكاشفة وهو يردّ سلام كلّ مسلِّم باستقلال، ومنهم الشخص الذي بدر إلى ذهنه هذا التساؤل. وهذا معناه أنّ الأئمّة يشهدوننا ويعرفون عن كلّ منّا كلّ شيء، فقد روي عنهم سلام الله عليهم قولهم: «نحن صنائع الله»(13).
وإنّ الأئمّة صلوات الله وسلامه عليهم لا يثقون بأحد هكذا اعتباطاً، كما لا يتّهمون أحداً جزافاً ألبتّة لأنّهم أهل الصلاح بل قادة أهل الصلاح.


بمقدور كلّ مؤمن أن يحوز ثقة المعصوم
إذاً بمقدور كلّ مؤمن أن يحوز على ثقة أهل البيت سلام الله عليهم، شرط أن لا يقصّر. فمن عرف عظمتهم وقدّم ما في وسعه في سبيلهم، وهو سبيل الله تعالى، كسب ثقتهم حتّى يصل إلى مرتبة أمثال زكريا بن آدم وغيره؛ لأنّ الله تعالى لم يحصر مقاماً ما ـ غير مقام العصمة ـ لأحد دون آخر.
فلنسعَ لكسب ثقة الإمام المعصوم، ولنتنافس في ذلك خاصّة في الأشهر الحرم؛ لأنّ كلّ عمل حسن فيها فهو أفضل منه في غيرها، وكلّ عمل قبيح في غيرها فهو فيها أكثر قبحاً.


(1) وربما لوحظ المعنيان في كلمة (دنيا)، لأنّ الدنيا تلي الآخرة، فهي أقرب بالنسبة لنا من الآخرة، فيقال إنّها دنيا أي دانية قريبة بالنسبة لنا، وإنّها دنيئة المنزلة أيضاً قياساً إلى سموّ الآخرة ورفعتها، فمن هذا الباب سمّيت (دنيا)..
(2) الكافي: 2 / 173 ح 13 باب حق المؤمن على أخيه وأداء حقّه.
(3) المائدة: 56.
(4) الشورى: 23.
(5) النمل: 14.
(6) نُقل عن شخص أنّه كتب رسالة جوابية لشخص دنيء ضمّنها عبارة تغيظه، فكانت النتيجة أن ألحق به ذلك الدنيء أضراراً كبيرة، وعندما سئل الشخص: لماذا كتبت تلك العبارة؟ أجاب: أردت أن أُغيظه لأنّي كنت أعرف أنّه يتأذّى منها كثيراً فتعمّدت إيذاءه!
فمثل هذا الشخص لم يعمل ما من شأنه أن يجنّبه عداوة الأدنين.
(7) نهج البلاغة: 4 / 41 رقم 159. وفيه عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومنّ من أساء به الظنّ.
(8) الكافي: 8 / 113.
(9) في مدينة قم المقدّسة.
(10) انظر الاختصاص للمفيد: 87.
(11) آل عمران: 61.
(12) روي عن أبي محمد عليه السلام، أنّه قال لأبي علي حين سأله عن العمري وابنه: العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عني فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان. الكافي: 1 / 329 ح1 باب في تسمية من رآه الإمام.
(13) انظر: نهج البلاغة: 385 رقم 28 من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جواباً. وفيه قوله عليه السلام: فإنا صنائع ربّنا، والناس بعد صنائع لنا...