» إبدال العقوق والخذلان، وتطوير المداراة

العقوق - لغةً - من العقّ وهو الشقّ والقطع والحفرة الواسعة في الأرض، وأطلق «عاقّ الوالدين» على الولد الذي يؤذي والديه بشقّ عصا طاعتهما أو لايصلهما، فينشقّان عنه بسبب سوء موقفه تجاههما. فالعقوق يستعمل في الوالدين، كما تستعمل القطيعة في الأرحام غالباً؛ لكن هنا اُطلق العقوق تجاه الأرحام: «ومن عقوق ذوي الأرحام».
إنّ الحالة الغالبة بين الأرحام هي أن يعقّ بعضهم بعضاً، بسبب المشاكل والتوقّعات أو اختلاف الأذواق أو تضارب المصالح الشخصية، فتحصل بينهم هوّة وهذه الهوّة قد تزداد بمرور الزمن، وهذا في الأرحام شيء غير نادر، اللهمّ إلاّ أن يسارع ذوو الأرحام في معالجة ذلك والسعي في إصلاح ذات البين.
والعلاج في العقوق – كما هو في جميع البلايا - له ركنان، الأوّل: الدعاء، والثاني: السعي. فعلى الإنسان - كما قلنا مراراً - أن يسعى ويدعو، لا أن يدعو دون سعي، أو يسعى دون دعاء.
إنّ الإمام السجّاد سلام الله عليه يسأل من الله تعالى - ونحن ينبغي أن نقتدي به لأنّه إمامنا المفترض الطاعة - أن يبدّل عقوق ذوي أرحامه بالمبرّة، أي: ياربّ لا تجعلني ممّن يعملون ما من شأنه حصول القطيعة. ومعلوم أنّ المبرّة تعني الصلة وهي الطرف الضدّ للعقوق تماماً.
ولن يتسنّى ذلك بسهولة ما لم يسع الفرد إلى دفع أو رفع وإزالة المشاكل التي توجب العقوق والشقاق. فلا ينبغي أن نقع في الغفلة أو التغافل عن أُولي أرحامنا بداعي سوء الظنّ أو النظر في المصالح المادّية البحتة، أو تتقطع سبل التواصل معهم بسبب الخجل أو ما أشبه.
وعمدة القول في معنى هذا الطلب هو أن يتوسّل المرء بربّه ليعافيه عن الابتلاء بعقوق ذوي الأرحام، لما فيه من التفكّك الأُسري والاجتماعي، فضلاً عن سخط الله تعالى.


نصرة الأقربين
ثمّ يدعو الإمام بالنصّ التالي: «ومن خذلان الأقربين النصرة». ومعلوم أنّ الأقربين أعمّ اصطلاحاً من أُولي الرحم، ولذلك يطلق على مَن يعيش الإنسان معهم بصورة أشمل وأوسع، كالجيران وطلبة المدرسة، وزملاء العمل، فأفراد هذه الأصناف قد يعيش بعضهم مع بعض ويقترب بعضهم من بعض حتّى تصل درجات التأثير المتبادل فيما بينهم حدّاً كبيراً.
وقد يكون هؤلاء الأقربون أُولي رحم أي نسبيّين أو غرباء لا رابطة بينهم، أو أنّهم قرابة من حيث السبب.
والخذلان عادة يصدر من هؤلاء الأقربين تجاه بعضهم، كأن لا يتساعدون لحلّ مشكلة ما قد أصابت أحدهم، نظراً إلى أنّ ديدن الناس غالباً الاجتماع حول ذي الثروة أو النفوذ، ويكونون منفضّين عن الفقير باستثناء بعض من هو مثله أو أدون منه. والإمام سلام الله عليه يحرّضنا بدعائه هذا على أن نطلب من ربّنا الكريم أن يبدل خذلان الأقربين بمحبّتهم لنا ليتحقّق عنصر تبادل المنفعة بيننا.
إذاً، فهنا قضيّتان مهمّتان: قضية الدعاء، وقضية السعي نحو تفعيل مضمونه؛ بمعنى أنّ الفرد كما يحبّ أن ينصره الأقربون عند حاجته إليهم، كذلك عليه أن يضع في حسبانه تقديم النصرة لهم عند الضرورة وغيرها، لدفع أكبر نسبة ممكنة من احتمالات الخذلان عند الحاجة، فهو إذا خذل قريبه حين يحتاجه، فليتوقّع خذلان قريبه له كذلك.
 

مداراة الناس
يقول الإمام سلام الله عليه: «ومن حبّ المدارين تصحيح المقة». أي المحبّة.
لقد حثّ الإسلام على مبدأ المداراة بين الناس وجعل للمدارين جزاءً موفورا. حتى جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: «من مات مدارياً، مات شهيد»(1). والمتواتر عن السيرة النبوية الشريفة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله - وهو سيّد الأخلاق الحميدة، الذي وصفه الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(2)- كان يعامل الناس معاملة هي الغاية في الحكمة والطيبة حتّى ليظنّ كلّ منهم أنّه أحبّ الناس إلى النبي فكان بذلك المصداق الأكمل للمداراة.
فإن كان المرء لا يحبّ أحداً، فلا يلزمه أن يظهر هذا الإحساس له أو يبديه في وجهه، وهذا من الأُمور المستحبّة، حتّى ورد في النبويّ الشريف أنّ نصف العقل مداراة الرجال(3). فيعاملهم معاملة يتصوّرون أنّه يحبّهم، وهذا ليس من النفاق في شيء، بل هو من مقتضيات العقل وأُصول الأخلاق الرفيعة؛ إذ لا شكّ في وجود الاختلاف والتفاوت في الأذواق والأساليب والتوجّهات بين الناس، ولكن ليس من الضروري أن يظهر المرء كلّ ما في قلبه للآخرين، بل من الضروري أن يبدي احترامه لأذواقهم وأساليبهم وتوجّهاتهم وآرائهم، كما يمكنه أن يعكس وجهة نظره ورأيه أو طبيعة ذوقه وما يرتئيه من أُسلوب بالصورة المناسبة والحكيمة، لكي لا يقع الشقاق والفُرقة.
وهذا النصّ من الدعاء الشريف يشير إلى أهميّة طلب المرء من ربّه أن يساعده في تحويل المودّة الظاهرية ـ التي نعبّر عنها بالمداراة من قبل الناس له ـ إلى حبّ باطني حقيقي يضاعف الترابط الاجتماعي ويكرّس العلاقة الطيبة بينه وبين باقي أفراد المجتمع.
وبذلك يُفهم من سياق النصّ وكأنّ الإمام سلام الله عليه يقول: إلهي، اجعل من الحبّ الظاهري الذي يبدو بسبب مداراة الناس لي، حبّاً واقعياً في قلوبهم.


الاستفادة من بلاغة المعصومين عليهم السلام
وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية وضرورة الاستفادة من بلاغة الأئمّة عليهم الصلاة والسلام، لنتعلّم من أساليبهم الحكيمة ما يعود علينا بالفائدة والنجاح في التواصل مع الآخرين.
فمن البلاغة مثلاً عدم التكرار في الكلام، أي أنّ المعنى الواحد إذا كان بحاجة إلى التكريس والتكرار، فمن الأجدر أن لا يُكرّر اللفظ نفسه، بل يُذكر في قوالب لفظية مختلفة، لكي يكسبه جمالاً على جمالٍ، ويجعله أكثر وقعاً في نفس المخاطَب(4).
وهذا الجمال يشمل فيما يشمل جمال الألفاظ وحسن التعبير وبلاغة البيان، كما يعلم سلام الله عليه أنّ العبد ملزم بمعرفة موقعه وحقيقته كمخلوق تجاه خالقه. ورغم أنّ الله غنيّ عن ألفاظه، إلاّ أنّ الإنسان ينبغي أن ينتخب الأجمل والأروع والأبلغ في الكلام.
ولذلك؛ فإنّ الإمام سلام الله عليه لم يكرّر عبارته تلك ولم يقل: «من حبّ المدارين تصحيح المحبّة»، بل استخدم لفظة (المقة) لتكريس جمال الأُسلوب في مناجاته مع الله تعالى.


لنتعلّم من القرآن ومن أهل البيت
ونحن من جانبنا ينبغي أن نتعلّم من القرآن الكريم ومن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام جمال التعبير، لأنّ اللفظ بمثابة الإناء، والمعنى محتواه. فإذا كان الإناء جميلاً ومحتواه أيضاً، كان ذلك مدعاةً إلى القبول والإقبال، أمّا إذا كان الإناء غير جميل، فلن تكون ثمّة ضمانة في تقبّل المحتويات وإن كانت على شيءٍ من الجمال في نفسها. وعلى ذلك؛ فإنّ للتعبير الجميل مدخلية في استساغة المعنى، حتّى في حال المناجاة مع الربّ العظيم تبارك وتعالى، لأنّه جميل يحبّ الجمال.


(1) الدعوات: 220.
(2) القلم: 4.
(3) الكافي: 2 / 117 ح 5 ، وفيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: مداراة الناس نصف الإيمان والرفق بهم نصف العيش.
(4) مما يُذكر في هذا المجال: أنّ فصحاء العرب وبلغاءهم اجتمعوا في الجاهلية ليصوغوا جملة تكون رادعة للقتل والتناحر، وبعد نقاش ومداولة طويلة، أقرّوا عبارة (القتل أنفى للقتل) بعد أن أُعجبوا بها كلّ الإعجاب من حيث اللفظ وقلّة عدد الحروف وعمق المعنى، ولكنّ الله عزّ وجلّ أنزل على رسوله الكريم صلى الله عليه وآله آية القصاص التي قال فيها: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقَصَاصِ حَيَاةٌ يَا أولِي الألْبَابِ﴾ (البقرة: 179) فأمر النبيُّ صلى الله عليه وآله أصحابَه أن تكتب هذه العبارة من الآية ﴿فِي الْقَصَاصِ حَيَاةٌ﴾ وتعلّق على جدار الكعبة إلى جانب عبارة كفّار قريش التي كانت معلّقة في المكان نفسه، وجاء فصحاء القوم فرأوا الآية، ورأوا أنّ لفظها أبلغ وأجزل، ومعناها أتمّ وأجمل من عبارتهم فرفعوا لوحتهم، وذلك لأنّهم لاحظوا أنّه لا تكرار في الآية فضلاً عن عمق المعنى المؤدّى بكلمة (القصاص) وأرجحيّتها على كلمة (القتل)، وفضلاً عن وجود كلمة (الحياة) ومعطياتها التي تفتقر إليها عبارتهم، ممّا جعلهم يرضخون لبداعة الأُسلوب القرآني وإعجازه.