» طلب فنّ المعاشرة، والأمن من الظالمين

يقول الإمام سلام الله عليه بعد ذلك: «ومن ردّ الملابسين كرم العشرة».
في هذه العبارة يعيد الإمام الكرّة نفسها في استخدام الأُسلوب الأمثل من ذكر الكلمات الأبلغ في التعبير. فالملابسون هم المعاشرون أنفسهم، ولكنّ الإمام لم يقل: (ومن ردّ المعاشرين كرم العشرة) أو (من ردّ الملابسين كرم الملابسة) مع أنّ الملابسة هي المعاشرة أو كناية عنها. وذلك لإمكان أن تصل المعاشرة بين الناس حتّى يكون مستوى القرب فيما بينهم كقرب الإنسان من لباسه. وبسبب هذا التقارب والاقتراب تنكشف النواقص والمساوئ في الأخلاق والفعال، ولذلك تكثر المخاوف من حصول الخلاف فيما بينهم، وذلك لأنّ ديدن الملابسين الخلاف.
من هنا، يجدر بالإنسان أن يطلب من ربّه الكريم أن يحول بينه وبين وصول الخلافات وردود الأفعال التي تسيء إلى عشرته مع الملابسين له، ويحرص على أن تكون العلاقة بينه وبين القريبين منه والملابسين له علاقة طيّبة وكريمة لا علاقة تتبّع العثرات لإبدائها في النقد الهدّام أو الاغتياب والانتقاص أو الحسد، فالعشرة لها كرامة، أو هكذا ينبغي أن تكون؛ وكأنّ الإمام سلام الله عليه يريد أن يقول: فامنحهم ياربّ هذا الكرم، لئلاّ يردّوا عليّ ما يزعمون أنّها من نواقصي.
وهنا – كما سبق في نظائره – يلزم أن يعمل الإنسان أمرين:
الأوّل: أن يبادر هو قبل أيٍّ كان إلى أن يكون فرداً كريماً في معاشرته للآخرين، فلا يردّ عليهم باللؤم وسوء الأدب، وإنّما يعاملهم بالحسنى ما استطاع.
الثاني: أن يطلب من ربّه التكرّم عليه بأن يساعده على تحويل ردّ الملابسين – المعاشرين - له، ويبدل صدودهم بعشرة كريمة؛ ملؤها السماحة والإنصاف والعقلانية.


الأمن من الظالمين
ثمّ يطلب الإمام الأمن والاستقرار مناجياً ربّه تبارك وتعالى فيقول: «ومن مرارة خوف الظالمين حلاوة الأمنة».
ومعلوم أنّ للخوف مرارة أشدّ وقعاً من مرارة الآلام البدنية التي تُخلّ بنوم المريض، فيهجر لها نومه وتسلبه راحته، ولكنّها رغم ذلك تبقى آلاماً بدنية فقط بينما الخوف ذو مرارة وآلام تمسّ الروح والبدن معاً. جاء في الحديث الشريف: «نعمتان مجهولتان: الصحّة والأمان»(1) ممّا يعني لزوم أن يستشعر الفرد نعمة الأمن وهو ينعم في ظلّه ويطلب من ربّه أن لا يبتليه بظلم الظالمين، فيضطرّه إلى مكابدة مرارة الخوف منهم.
قد يكون الشعور بالخوف حالة إيجابية وبنّاءة إذا تعلّق بوقوع العقاب من طرف العادل، و ذلك لأنّ الإنسان المحكوم إذا قدّر له العيش تحت مظلّة حاكم أو رئيس عادل، فإنّه سيحدّث نفسه أنّ من الخطأ الخوف، لأنّ العقوبة التي يمارسها الحاكم العادل إطارها التشريع وغايتها الإصلاح، وإلاّ فإنّ الحاكم العادل رجل مأمون الجانب لا يبتغي لنفسه نفعاً جرّاء حكمه؛ بينما الحاكم الظالم أو ربّ العمل الظالم أو المعلّم الظالم أو البائع الظالم أو غيرهم يختلف حاله عن ذلك بكثير، إذ لا يُعلم سبب ظلمه أو مقداره أو زمنه مادام يصبّ في نفع الظالم نفسه. لذلك يطلب المرء من ربّه أن لا يبتليه بهذا البلاء وأن يجعله بمأمن من جميع الظالمين.


قصّة فيها عبرة
ممّا ينقل في هذا المجال أنّه في إحدى البلدان عزم رئيسها على إرسال قاضٍ إلى إحدى المناطق، إلاّ أنّ حاكم تلك المنطقة سرعان ما قام بقتله، وحتّى يتبيّن للرئيس السبب في ذلك، قام بإرسال قاضٍ آخر، ولكنّ الحاكم ألحقه بالقاضي الذي سبقه. وهذا الأمر أدّى ببعض القضاة إلى الامتناع عن التوجّه إلى ممارسة القضاء في تلك المنطقة. غير أنّ أحدهم، بعد فترةٍ تبرّع بقبول المنصب لقاء أجرٍ باهض جدّاً، مدّعياً أنّه سيعمل في سبيل الكشف عن أسباب مقتل القاضيين اللذين سبقاه، ومن ثمّ يُعلم رئيسه ليقضي على الحاكم وفي الوقت نفسه يكسب ثقة الرئيس بعلمه وعمله لكي يضمن لنفسه بعد ذلك منصباً أرفع وأجراً أعلى. وحين توجّه إلى تلك المنطقة أخذ القاضي بمسامرة ومجالسة حاكمها في محاولة منه ليعرف أسباب قتله القاضيين السابقين، ولما اطمأنّ له الحاكم بعدما أخذ بمجامع عقله وقلبه، قال له: إنّه لم يقتل القاضي الأوّل إلاّ بعد أن رأى في منامه ذات مرّة أنّه عدوّ لدود له، وحينما استيقظ مرعوباً، أمر بقتله فوراً. أمّا القاضي الثاني فرأى فيه رؤيا وكأنّه حلّ مكانه حاكماً، ففزع، ولذا ألحقه بصاحبه.
فلما سمع القاضي الثالث هذا الكلام لم يجد بدّاً حينها إلاّ الهروب والعودة إلى رئيسه، فأخبره مؤكّداً له بأنّه ربما يتمكّن من ضبط كلّ شيء من ذلك الحاكم، سوى رؤياه، فإنه لا يقدر أن يتحكّم فيها وقد يرى رؤيا لهذا الثالث ويلحقه بسلفيه.
إذاً ليس كلّ خوف له مرارة. أمّا الخوف من الظالم فإنّ له مرارة شديدة، لأنّه لا يُعلم ماذا سيصدر عنه، ولأي سبب سيعاقب، وكيف ومتى سيعاقب ويعتدي. ولا يكفي أن يحتاط المرء في تجنّب ما نهى عنه، ما لم يسأل الله عزّ وجلّ أن يحرسه بعينه التي لا تنام، ويرعاه في الشدّة والرخاء.
فالإمام بعد أن يطلب من ربّه أن يبدله عن عقوق أرحامه بمبرّتهم، وعن ردّ الملابسين بكرم العشرة، وعن بغضة أهل الشنآن بالمحبّة، طلب من الله تعالى أن يبدل مرارة خوفه من الظالم إلى شعور بالأمان، أي عدم العيش تحت ظلّ الظالم.
انظروا إلى دقّة التعابير في دعاء الإمام سلام الله عليه: فإنّ ظاهر عبارة الإمام تدعو إلى تغيير حالة أُولئك يعني الأرحام والملابسين وأهل الشنآن و... سوى الظالم، فإمّا أن لا يراني ويسوؤني، أو اجعلني اللهمّ في مكان وزمان بعيدين عن الظالم، لأنّ وجود الظالم يعني وجود الخوف من ظلمه.


الدعاء دعوة للتغيير وتحصيل ملكة العدالة
ومقطع الدعاء هذا يتضمّن بين طيّاته أن على الإنسان أن يهجر الظلم ويمتنع عنه تجاه نفسه أوّلاً، وتجاه الآخرين ثانياً، فينبغي أن يعي مدى لزوم تحصيل ملكة العدالة في نفسه، وهو واجبٌ عقلي أيضاً.
فإذا أراد الفرد عدم ارتكاب المعصية، فاللازم أن يخالف هواه، ومن أولويات ذلك أن يخلق وينمّي ملكة العدالة في نفسه.
ولعلّ من أحسن الفرص أمام الإنسان لتنمية هذه الملكة، وتقويتها هي الأشهر الحرم ذات الفضيلة على باقي الشهور، فكما يمكن للراغب أن يستثمر هذه الأشهر في مضاعفة ثواب الصلاة والصيام والصدقة، كذلك يمكنه أن يستثمرها في الارتقاء بمستوى أخلاقه الحميدة وحسن سلوكه الذي يجرّ صاحبه جرّاً إلى الجنّة، وفي الحديث: «ما وضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخُلُق...»(2).
لا شكّ أنّ حسن الخلق ـ الذي هو أحد أركان ملكة العدالة ـ كما يلزم أن يكون داخل نطاق الأُسرة كذلك يلزم في خارجها، ولا شكّ أنّ استدامته ليس بالأمر السهل، تبعاً لوجود الموانع الصعبة والشديدة والتي منها وساوس الشيطان، والنفس الأمّارة بالسوء التي ترهق الإنسان. ويتيسّر ذلك بالعزم والإستعانة بالعلي القدير.
إنّ من لم يطرد الشيطان، ولم يبذل قصارى جهده في ذلك وعجز عن كبح جماح نفسه الأمّارة بالسوء فإنه يخسر دنياه وآخرته، فكثيرٌ من هؤلاء الطغاة والظلمة الذين حكموا تعسّفاً ماتوا من فرط شهوات أنفسهم الأمّارة بالسوء، فترون القليل منهم قد عمّر، فلم تدع لهم شهواتهم وتكالبهم على الدنيا مجالاً للعمر في الدنيا طويلاً، وقد ورد في الروايات أنّ الذي يأكل أكثر من حاجته، يُصاب بكذا وكذا، فعن النبي صلى الله عليه وآله: «إيّاكم والبطنة، فإنّها مفسدة للبدن، ومورثة للسقم، ومكسلة عن العبادة»(3).
إنّ الأنبياء والرسل عليهم السلام، وعلى مقدّمتهم رسول الله صلى الله عليه وآله وكذلك أئمّة أهل البيت عليهم السلام كانوا أعرف الناس بالدعاء والتضرّع إلى الله تقدّست أسماؤه، وكانوا أكثر الناس سعياً لتكريس معاني الدعاء، فكانوا يتحمّلون المشاقّ والجوع والأذى والقتل من أعدائهم بل حتى من أقاربهم وأصدقائهم ومن بعض أتباعهم! وكم سعى رسول الله صلى الله عليه وآله وجاهد وعانى ودعا إلى جانب ذلك، لكي يرسم للإنسانية النموذج الربّاني الأمثل.
فمن اللازم على المؤمن أن يجعل من الدعاء عاملاً مهمّاً في شحذ همّته وإقدامه على ما ينبغي له أن يقوم به من الطاعات، وما ينتهي عنه من المحرّمات، إذ الدعاء عامل دفع إلى عمل الخير من جانب، وعامل كبح للشهوات من جانب آخر.


(1) شجرة طوبى: 2 / 368 المجلس الخامس والأربعون.
(2) كشف اللثام: 2 / 533.
(3) مستدرك الوسائل: 16 / 210 ح 6.