» السلامة من المتوعّدين

الوعد إمّا أن يكون في خير كما لو وعد الإنسان ابنه: إذا نجحتَ في الامتحان فسأعطيك جائزة، وإمّا أن يكون في الشرّ وهو الوعيد ومنه التوعّد، وهو الذي يطلب الإمام سلام الله عليه من الله تعالى أن يسلّمه منه.
 

عظة أخلاقية
لقد طلب الإمام سلام الله عليه في دعائه من الله تعالى أن يخلّصه من شرور الظالمين والمخاصمين والكائدين والمعاندين والمضطهدين والقاصبين والمتوعّدين، ولكن ينبغي أن نذكر أنّ هناك عدواً أعدى منهم كلّهم، ولو تمكّن هذا العدوّ من الإنسان ألحق به عذاباً لا يزول أبداً، وذلك العدو هو النفس الأمّارة بالسوء. أتدرون ماذا تصنع النفس بالإنسان إن هو مكّنها من عقله؟ سوف تقوده إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه.
إنّ الله تعالى خلق الخلق ليرحمهم؛ فقال عزّ من قائل: ﴿إلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾(1) أي ليرحمهم، إلاّ أنّ الإنسان بتصرّفاته واتّباع هوى نفسه الأمّارة بالسوء يجلب غضب الله عزّوجلّ. فلابدّ إذا من التفكير بصورة جادّة لهذه المشكلة.
إنّ الدعاء جزء مهمّ من العلاج، غير أنّ الجزء الأهمّ فيه يتمثّل في قوله تعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلاّ مَا سَعَى﴾(2). فلابدّ من الاستعانة بالرياضة الروحية المشروعة، فعن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «وإنّما هي نفسي أروّضها بالتقوى»(3) وفي الحديث الشريف أيضاً: «ليس منّا من لم يحاسب نفسه كلّ يوم ...»(4).
وروي أنّه بينا موسى بن عمران عليه السلام يعظ أصحابه إذ قام رجل فشقّ قميصه فأوحى الله عزّوجلّ إليه: «ياموسى قل له: لا تشقّ قميصك ولكن اشرح لي من قلبك»(5).
فلنفكّر قليلاً من أجل ضبط ما قد يصدر من هذه النفس التي أودعها الله فينا ليختبرنا أندسّها أم نزكّيها، قال تعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾(6) ويكون الناس بعد ذلك كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ الله﴾(7). فَرُبّ أخوين عاشا معاً في محيط واحد ولكن اختلفا في الدرجات اختلافاً شاسعاً. ومن الأمثلة على ذلك: محمّد بن الفرج الرخجي، وأخوه عمر الرخجي. فلقد كان محمد الرخجي من أوثق أصحاب الإمامين الجواد والهادي عليهما السلام، ولعله الآن في روضة الخلد مع الذين فيها يحبرون، بينما صار أخوه عمر بن الفرج الرخجي في حصب جهنّم مع الذين فيها يصطرخون، لأنّه كان من أشدّ أعداء أهل البيت سلام الله عليهم. وقد تجد إنساناً آل أمره إلى أن يكون من أهل التابوت(8) بينما ابنه في زمرة الأبرار المؤمنين. يقول أمير المؤمنين سلام الله عليه في حقّ محمّد بن أبي بكر: محمّد ابني من صلب أبي بكر(9).


لابدّ من ترويض النفس
إنّ النفس لا تتغيّر نحو الأفضل أو الأسوأ دفعةً واحدة، وإنما بالتدريج؛ فعن أميرالمؤمنين سلام الله عليه أنّه قال: «النفس مجبولة على سوء الأدب، والعبد مأمور بملازمة حسن الأدب، والنفس تجري بطبعها في ميدان المخالفة، والعبد يجهد بردّها عن سوء المطالبة، فمتى أطلق عنانها فهو شريك في فسادها، ومن أعان نفسه في هوى نفسه فقد أشرك نفسه في قتل نفسه»(10). ولذا شدّد على ترويض النفس حتى لا تتمادى في غيّها، فقال سلام الله عليه: «مَنْ لَمْ يَسُسْ نَفْسَهُ أضَاعَها»(11) أي كما تخدعكم خادعوها وجرّعوها الخير رويداً رويداً، ابتداءً بالأسهل فالأسهل وهكذا. فمثلاً لو لم يكن الشخص من أهل صلاة الليل فلا يفرض على نفسه أداءها بمستحبّاتها كلّها في أوّل الأمر، بل ليكتف بأقلّ ما تطاوعه به نفسه أوّلاً ثمّ يزيد شيئاً فشيئاً لئلاّ تفلت بعد ذلك؛ فإنّ من لم يرفق بمطيّته في السير، لا هو يصل إلى غايته ولا وسيلة تبقى له. عن النبيّ صلّى الله عليه وآله: «المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى»(12). فعلينا التدرّج بالنفس، والاستنارة بكلمات المعصومين سلام الله عليهم وسيرتهم لئلاّ تنعطف بنا أنفسنا فنزيغ.
ورد في رسالة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه إلى واليه على البصرة عثمان بن حنيف: «ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه... ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفّة وسداد»(13). فلنحاول الاقتداء بأئمّتنا ما أمكننا ذلك، وإن عجزت أنفسنا عن بلوغ ما هم عليه صلوات الله عليهم فلا يبقى لنا سوى الورع والإجتهاد والعفّة والسداد، عسى أن نفوز بمرضاة الله تعالى.
روي عن أبي جعفر الباقر سلام الله عليه أنّ امرأة ادّعت على أبيه (علي بن الحسين سلام الله عليهما) عند والي المدينة أنّ لها عليه أربعمائة دينار. فقال الوالي: ألك بيّنة؟ قالت: لا ولكن خذ يمينه. فقال والي المدينة يا علي، إمّا أن تحلف وإمّا أن تعطيها. فقال لي: يا بنيّ قم فأعطها أربعمئة دينار. فقلت: يا أبه جعلت فداك، ألست محقّاً؟ فقال: بلى يابنيّ، ولكنّي اُجلّ الله تعالى أن أحلف به يمين صبر(14).
علينا أن نقتدي بالأئمّة سلام الله عليهم ونتّخذ سبيل التسامح والعفو ونغفر لإخواننا ونعذرهم؛ فإنّ بروز المشكلات بين الإخوة والمتعاشرين كالأرحام والزملاء والزوجين والأساتذة والتلاميذ والأصدقاء أمر طبيعي يولّده القرب والاحتكاك؛ فلذا لا ينبغي تضخيمها بل ينبغي التسامح بشأنها، واللازم الاقتداء بأئمّتنا الذين كانوا المثل الأعلى في الأخلاق الفاضلة، ولا يتأتّى هذا كلّه إلاّ بالترويض والتدرّج مع النفس كما قلنا.
كما ينبغي لنا أن ننتهز كلّ الفرص والمناسبات التي منّ الله تعالى بها علينا، مثل شهر رمضان المبارك، والأيّام التي نحن مقبلون عليها من أيّام شهر ذي الحجّة الحرام(15) لاسيّما العشر الأُول منه، ففي الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله: «ما من أيّام العمل الصالح فيها أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من أيّام العشر»(16). والتي تكرّر ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿أيّامٌ مَعْلُومَاتٌ﴾(17) و ﴿أيّامٌ مَعْدُودَات﴾(18). فهذه الفرص نادرة فلنغتنمها ونأخذ بزمام أنفسنا بأيّة نسبة استطعنا.
فلنتأمّل في هذه العبائر من دعاء الإمام ونتصوّر أنّ مصاديقها الأجلى هي نفس الإنسان، ولنطلب من الله تعالى أن يهبنا القدرة على أنفسنا لكي نوفّق ونكون من الذين اتّخذوا طريق التدرّج في الصعود والرقيّ بلوغاً إلى أعلى الدرجات ببركة محمّد وآله الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.


الفرق بين الطاعة والمتابعة
صحيح أنّه يمكن التوسّع في هاتين الكلمتين وأشباههما في استعمال إحداها مكان الأخرى مجازاً، مثل جعل كلمة الطاعة مكان المتابعة أو العكس، وكذا بالنسبة للتسديد والإرشاد؛ ولكن إذا أخذنا بنظر الاعتبار مجيء هذه الكلمات معاً في سياق واحد فإنّ الدقّة تقتضي اختلاف معانيها، خاصّة وأنّ الأئمّة الأطهار سلام الله عليهم هم أُمراء الكلام وأسياد البلاغة وأرومة الفصاحة، وما يسردونه من نظم كلامهم لابدّ وأن يكون موافقاً لفصيح الكلام وفنونه. ومن يراجع كتب اللغة يجد فرقاً واضحاً في استعمال هذه الكلمات وفق معانيها.
فمن موارد الطاعة إستعمالها في الامتثال بلا تأمّل، والعكس صحيح، فالامتثال دون تأمّل يعني الطاعة بعينها، أمّا المتابعة فتعني دوام الامتثال. في الحديث المرويّ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوىً متّبعاً، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك أمر العامّة»(19).


الفرق بين السداد والرشد
أمّا الفرق بين السداد والرشد فالظاهر من الرجوع إلى كتب اللغة أنّ السداد يعني التوجيه نحو الصواب كما في دعاء الافتتاح للإمام الحجّة بن الحسن عجّل الله تعالى فرجه: وأنت مسدّد للصواب بمنّك.
إذاً فالمراد من المسدّد في دعاء الإمام زين العابدين سلام الله عليه هو الدالّ على الصواب الذي لا يعاب عليه.
أمّا الرشد فهو الأمر الذي لا زيغ فيه ولا غواية وهو أقرب إلى الحقّ منه إلى الهداية، لأنّ الهدى بيان طريق الرشد ليسلك دون طريق الغي. هذا إذا أُطلق. فإذا قيّد استعمل في غيره(20)؛ كما في قوله تعالى: «وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ. كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَإنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ»(21). فإنّ أصحاب الأفكار الباطلة يهدون إلى الباطل، أمّا الرشد فلا يستعمل إلاّ في الموارد التي تنعدم فيها نسبة الزيغ والغوى. ولذا فمتابعة المرشد هو سبيل نحو الصلاح والرشد والصواب، وحقّ من يعمل عليه أن ينجو، وحقّ من يعمل على خلافه أن يهلك.
إنّ الإمام يطلب من الله تعالى أن يجعله مطيعاً لمن يسدّده لا يناقشه فيما يصوّبه اليه، متابعاً لمن يرشده لا يعصيه فيما يدلّه عليه، مثله كمثل طاعة المريض للطبيب الثقة الحاذق فيما إذا أشار عليه بتناول الدواء أو اجتناب بعض الأُمور لأنّه مطمئنّ إلى أنّه إنّما يسدّده إلى ما ينفعه، ويرشده لما يصلحه.
والملفت للنظر هنا أنّ الإمام سلام الله عليه لم يستعمل صيغة المضارع في الجملتين بل استعمل صيغة الماضي فقال: «طاعة من سدّدني ومتابعة من أرشدني». ولا شكّ أنّ وراء ذلك نكتة خاصّة تتلخّص في أن يوفّقه لامتثال أمر المسدّد والمرشد سواء عرف المصلحة فيما يأمرانه أم لا.
وإنّ المصداق الحقيقي والواقعي لهذه الجملة. هم أهل البيت سلام الله عليهم. فلا يوجد أحد على مرّ التاريخ تبع أهل البيت ثمّ ضلّ بل لا يوجد أحد تبع أهل البيت سلام الله عليهم ولم يتبيّن له وجه الحقّ. إنّهم صلوات الله عليهم يرشدوننا إلى الصواب ويسدّدوننا لما فيه الصلاح.


(1) هود: 119.
(2) النجم: 39.
(3) نهج البلاغة: 416 من كتاب له سلام الله عليه إلى عثمان بن حنيف.
(4) الكافي: 2 / 453.
(5) منتهى الآمال: 2 / 555.
(6) الشمس: 10.
(7) آل عمران: 163.
(8) قال جابر بن عبد الله: قلت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام... : يا مولاي، لمن تكلّم، ولمن تخاطب وليس أرى أحداً؟ فقال: يا جابر، كشف لي عن برهوت فرأيت شيبويه وحبتر وهما يعذّبان في جوف تابوت في برهوت، فنادياني: يا أبا الحسن، يا أمير المؤمنين، ردّنا إلى الدنيا نقرّ بفضلك، ونقرّ بالولاية لك. فقلت: لا والله، لا فعلت، لا والله، لا كان ذلك أبداً، ثمّ قرأ قوله تعالى: «ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه وإنّهم لكاذبون». بحار الأنوار: 27/ 306، ح11.
(9) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 6 / 53 رقم 67 من كلام له سلام الله عليه لما قلّد محمد بن أبي بكر مصر.
(10) محاسبة النفس: 11.
(11) غرر الحكم: 239 رقم 4827 الإدبار عن نفسك الأمّارة بالسوء.
(12) منية المريد: 200 رقم 17 إيصاء الطالب بالرفق.
(13) نهج البلاغة: 416 ـ 420 رقم 45.
(14) الكافي: 7 / 435.
(15) الأشهر الحرم: ذو القعدة، ذو الحجة، محرّم، ورجب.
(16) يعني: عشر ذي الحجّة. إقبال الأعمال: 317.
(17) الحج: 28.
(18) البقرة: 203.
(19) مصباح الشريعة الإمام الصادق سلام الله عليه: 19
(20) الفروق اللغوية: 109 ، رقم 429 .
(21) الحج: 3ـ 4.