» ضََمّ أهْل الْفُرْقَة، وَإصْلاح ذَات البَين

الفرقة تعني الانفصال، فالناس إذا كانوا مجتمعين على أمر فلا توجد فرقة فيما بينهم، أمّا إذا اعتزل بعضهم بعضاً وصار بعضهم منفصلاً عن بعض فهذا يعني حدوث فرقة بينهم.
ويطلق أهل الفرقة على من ديدنه الافتراق، أمّا من حليته الصلاح وزينته التقوى فإنّه يحاول أن يجمع ويضمّ إليه جميع أهل الفرقة حتى يعيدهم إلى صفّ الحقّ، والإمام سلام الله عليه يطلب من الله تعالى ويعلّمنا بدوره أن نطلب منه سبحانه الإعانة في هذا الأمر وهو ضمّ أُولئك الذين يفصلون أنفسهم عن الآخرين متّبعين أهواءهم. هذه الخصلة الأولى.
أمّا الخصلة الثانية التي يطلبها الإمام فهي إصلاح ذات البين، فممّا يعنيه البين هو الصلة والحال التي عليها أفراد المجتمع، وهو نقيض الفرقة. فإصلاح ذات البين يعني: صيانة الألفة والمحبّة من خلال إدامتهما ومعالجة أيّ شرخ ممكن حدوثه قبل اتّساعه مهما كان حجمه سواء بين الإخوة، أو الزوج والزوجة، أو الأصدقاء، أو بين الأُستاذ وتلميذه، أو الأب وابنه أو غير ذلك.
أمّا الذات ففسّرت بالحقيقة. فالمعنى إصلاح حقيقة البين. وقال بعض الأُدباء: إنّ «ذات» كلمة زائدة ككثير من الكلمات التي تزاد في التعابير اللغوية، خاصّة في اللغة العربية لغرض التأكيد وغيره.


هل هما خصلتان أم خصلة واحدة؟
وهل تعود هاتان الجملتان إلى خصلة واحدة؟
يقول اللغويون وبتبعهم الأصوليّون: إنّ الأصل في الواو هو المغايرةُ، إلا إذا كانت هناك قرينة على وحدة الأمرين. فمثلاً: لو قيل: جاء زيد وأبو عمر، فالمتبادر للذهن أنّ شخصين جاءا، وليس المقصود أنّ الجائي واحد وهو زيد الذي كنيته أبو عمرو. نعم قد تأتي الواو لبيان المعطوف عليه نفسه بتعبير آخر، ولكن الأمر بحاجة إلى قرينة.
إذاً يقتضي أن يكون «ضمّ أهل الفرقة» و «إصلاح ذات البين» أمرين متغايرين، ولكن هذا لا يمنع أن يكون بينهما عموم وخصوص من وجه، لكن بعض العلماء قالوا: إنّ «ضمّ أهل الفرقة» يتناول الدائرة الواسعة أي المجتمع، أمّا «إصلاح ذات البين» فالمقصود به الدائرة الأصغر وهي الأُسرة والعشيرة والأقرباء، وهذا له وجه لا بأس به في نفسه، وقد يستوحى ذلك من كلمة «فرقة» و «بين».
وعلى كلّ حال، فإنّ من الأُمور التي ينبغي للإنسان المؤمن أن يعنى بها في المجتمع، أي على الصعيد العامّ والواسع، أن يكون ديدنه الحيلولة دون حدوث الفرقة والاختلاف، كما عليه أن يسعى أيضاً من أجل الإصلاح على صعيد العلاقات الاجتماعية الصغرى كالعلاقات بين الإخوة والأقارب والزملاء، فهاتان الخصلتان ـ ضمّ أهل الفرقة، وإصلاح ذات البين ـ تعدّان من حلية الصالحين وزينة المتّقين.


ضمّ بالحقّ وتفريق الباطل
هنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال، وهو: هل الإمام السجّاد سلام الله عليه يدعو للاجتماع وعدم الفرقة دائماً من دون نظر إلى الحقّ والباطل؟ حاشا أن يكون الإمام يريد ذلك؛ لأنّ الإمام السجّاد عدل القرآن، والقرآن يقول: ﴿كَانَ النَّاسُ اُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾(1) وهذا معناه أنّ الناس كانوا مجتمعين على الضلال والباطل، فبعث الله تعالى الرسل ليمزّقوا وحدة الباطل فيهم ببيّنات الوحي والتنزيل. أجل، الوحدة من الفضائل ولكن إذا كانت في إطار الحقّ والفضيلة لا في إطار الباطل والرذيلة.
ثمّة عبارة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام بحقّ أهل الشام يجدر الوقوف عندها - كما هو الحال مع كلّ كلمات المعصومين سلام الله عليهم - يقول مخاطباً فيها أهل العراق: «... والله لقد خشيت أن يدال هؤلاء القوم - يعني أهل الشام - عليكم، بإصلاحهم في أرضهم، وفسادكم في أرضكم، وأدائهم الأمانة لمعاوية، وخيانتكم، وبطاعتهم له، ومعصيتكم لي، واجتماعهم على باطلهم، وتفرّقكم عن حقّكم...»(2). فلا يقال للإمام سلام الله عليه ما دام الاجتماع أمراً حسناً فلماذا يلامون عليه؟ فالاجتماع في نفسه مطلوب، إلاّ أنّه ينبغي أن تكون الغاية حقّة. والتوجّه للباطل إذا كان من فرد واحد فهو ضلالة واحدة، فإذا اتّجه اثنان إلى الباطل فهذه ضلالتان، وهكذا كلّما زيد اجتماع أهل الباطل زاد عدد الضالّين، فأين هو الحسن فيه. فضمّ أهل الفرقة ممدوح ومطلوب إذا كان إلى جهة الحقّ، لأنّ الاجتماع على الحقّ ضروريّ، ولو حاد فرد واحد عنه فعلى المؤمن أن يسعى لإرجاعه وضمّه ثانية.
ولنمثّل بمثال في هذا المجال من سيرة أهل البيت سلام الله عليهم حيث يروى أنّ هناك رسالة مهمّة من الإمام السجّاد سلام الله عليه بعث بها إلى الزهري(3) مرويّة في كتب الخاصّة والعامّة(4)، يقول الإمام عليه السلام فيها: «وأن تُسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظَلَمَة... جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم وجسراً يعبرون عليك الى بلاياهم»(5). فعمل الإمام هنا في الحقيقة ضمٌّ لأهل الفرقة، وإن كان في ظاهره تفريقاً ومنعاً عن الانضمام؛ لأنّه تفريق للباطل ومنع عن الانضمام إليه.
ولنا في الإمام الحسين سلام الله عليه مثل آخر، فإنّ علماء السوء قالوا عنه إنّه شقّ عصا المسلمين، لأنّ يزيد كان حاكماً مسلماً وكان المسلمون يمارسون حياتهم وطقوسهم الدينية ولا وجود لخلاف فيما بينهم ولكن الحسين سلام الله عليه ـ بزعمهم ـ هو الذي أوجد الخلاف!! ونقول: إنّ هذا الخلاف والافتراق الذي أوجده الإمام الحسين سلام الله عليه هو من أهمّ الواجبات ـ بل كان أهمّ الواجبات في زمانه سلام الله عليه ـ فإنّ الافتراق عن حكومة الحقّ ـ كحكومة الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسن سلام الله عليهما ـ هو الضلال الذي يجب السعي لضمّ أهل الفرقة عنه، أمّا إحداث الفرقة في صفوف أهل الباطل فهو من الفضائل والواجبات.
لقد كان صفوان الجمّال من خيرة أصحاب الإمام الكاظم سلام الله عليه، فأكرى جماله لهارون العبّاسي لسفر الحجّ، فبلغ ذلك الإمام عليه السلام فقال له كلمة عظيمة؛ قال: «كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً». ولاشكّ أنّ هذا تقريظ عظيم من الإمام ممّا يكشف عن منزلة صفوان، ولكن الإمام استنكر عليه إكراءه جماله لهارون. فقال صفوان: يابن رسول الله، هذا يريدها للحجّ. فقال له الإمام: «أتحبّ بقاءهم حتى يخرج كراك؟ قلت: نعم. قال عليه السلام: فمن أحبّ بقاءَهم فهو منهم»(6).
هذا والإمام كان يعلم أنّ هارون سيعرف السبب، وبالفعل جاء هارون في اليوم الثاني فاعتذر له صفوان بأنّه باعها كلّها.
بل الأمر قد يتعدّى ذلك حتى إلى بناء مسجد، فقد روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه قوله: «لا تعنهم على بناء مسجد»(7) هذا والإمام يعلم عظمة المسجد والصلاة فيه، ولكنّه يعلم كذلك أنّهم سيتّخذون منه شعاراً لتقوية ظلمهم من خلال إشعار الناس بأنّهم أهل تقوى وصلاح؛ فيلتفّون حولهم ويدينون لهم، والدين منهم براء، وإلاّ فإنّ الإمام الصادق سلام الله عليه هو القائل: «من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنّة»(8) شريطة أن يكون مسجداً قد أُسّس على التقوى والصلاح، لا على الظلم والفساد.


بين الصلاح والإصلاح
تقدّم أنّ ضمّ أهل الفرقة يقع في الدائرة العامّة من المجتمع، أمّا إصلاح ذات البين فالمقصود به الدائرة الأصغر كالعائلة والعشيرة.
وربّ سائل يسأل عن الإصلاح الذي ورد في الدعاء والفرق بينه وبين الصلاح الذي عناه الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه في إحدى وصاياه: «أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله، ونظم أموركم، وصلاح ذات بينكم فإنّي سمعت جدّكما صلّى الله عليه وآله، يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام»(9) أي المستحبّة.
هنا نكتة بلاغية وهي أنّه وردت في بعض النصوص عبارة «إصلاح ذات البين» فيما وردت في بعض آخر منها عبارة «صلاح ذات البين» والمؤدّى واحد؛ إنّ الإصلاح إمّا أنّه نتيجة الصلاح ـ لأنّك إذا رفعت الفساد وأصلحت بين اثنين، فإنّ نتيجته هو الصلاح ـ أو يراد به دفع الفساد قبل وقوعه، كما لو أحسست أنّ خلافاً ما سيحدث بين زيد وعمرو فبادرت إلى عمل ما من شأنه الحيلولة دون وقوعه، فيطلق على عملك هذا صلاحاً وليس إصلاحاً لأنّه لم يكن فساد في البين لتصلحه وإنّما حُلت دون وقوعه، بينما الإصلاح أمر يعقب الإحداث دائماً، لغاية العلاج فيه، والذي بين الصلاح والإصلاح كالذي بين الوقاية والعلاج.
للإمام الحسن سلام الله عليه جملة عظيمة تنفعنا في مجال «إصلاح ذات البين»(10) ، يقول الإمام لجنادة: «واعلم أنّه تطلب الدنيا والموت يطلبك»(11). فلو آمن الإنسان بهذه الكلمة وكانت حاضرة عنده دوماً لسهل عليه السعي في طلب الفضائل، ولأمن على نفسه الصراع من أجل ركام الدنيا، لأنّه يعلم أنّ كلّ ما يطلبه من الدنيا لا محالة زائل، فإنّ ذكر الموت وحده كفيل بأن يحدّ من شهوات النّفس.


حذار من التسويف
جاءني شخص وسألني عن الحجّ، قال: كنت مستطيعاً منذ عشرة أعوام ولم أحجّ، ولكنّي كتبت في وصيتي أن يحجّ أولادي بالنيابة عنّي، فقلت له: إنّ التسويف في الفرائض يعدُّ من الكبائر، إلى أن اقتنع بأن يحجّ بنفسه، وإن استلزم أن يقترض في ذلك، وإن كان هو مستطيعاً كما تبيّن لي، وبعد أن أبدى استعداده ـ وكان في شهر ذي القعدة ـ انصرف.
وبعد أسبوع أتوا لأذهب الى الصلاة على جنازته، وعندما وصلت المكان كان أبناؤه موجودين، وقالوا لي: لم يكن به شيء ولكن أُصيب بسكتة قلبية. فأخبرت أكبر أولاده أنّ عليهم أن ينفّذوا ما كتبه لهم في وصيّته التي أخبرني عنها قبل موته بأسبوع، وذلك بأن يبعثوا شخصاً خلال هذه السنة أي في غضون أيّام أو أسابيع لكي يحجّ نيابة عنه، فهذا يعدّ من أوجب الواجبات.
إنّ على الإنسان أن يضع الموت نصب عينيه دائماً، فإذا فعل ذلك خفّت حدّة شهواته واستطاع أن يعمل على ضمّ أهل الفرقة وإصلاح ذات البين بنحو أحسن، ولا يكترث للأعذار غير الصحيحة.
ورد في الحديث الشريف: «... فإنّك لا تدري ما اسمك غداً»(12).


(1) البقرة: 213.
(2) الغارات: 2 / 487.
(3) هو من علماء العامّة المعروفين ومن التابعين، وكان ممّن يحضر عند الإمام السجّاد سلام الله عليه.
يجلّه العامّة كثيراً ويذكرونه بعبارات المدح والإطراء، فيقولون مثلاً: لقي من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله كذا، وروى عنهم الحديث، ويقولون: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: أنّه لا يوجد من هو أعلم من الزهري، ومن كان طالباً للدين فليأخذه من الزهري و... .
أمّا نحن الإمامية فرأيُنا فيه مختلف، ونعتقد أنّ حضوره عند الإمام السجّاد سلام الله عليه كان من أجل العلم فقط - لا العمل - كما تنبئ عن ذلك سيرته، وفي الحديث: «من إزداد علماً ولم يزدد هدىً، لم يزدد من الله إلاّ بعداً» (مجموعة ورّام: 1/ 220 باب ما جاء في أهل العلم المغترّين)، وروي عن أبي عبد الله سلام الله عليه أنّه قال: «يُغفَر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد» (الكافي: 1/ 47 ح1 باب لزوم الحجّة على العالم). فقد روى أصحابنا أنّ الزهري هذا كان ملازماً لقصر عبد الملك بن مروان وبني مروان عشرات السنين، وأنّه كان يذمّ أمير المؤمنينعليه السلام!
وإذا كان الجهلة يُعذَرون في ذلك، فإنّ الزهري العالم لا يعذر البتّة، وليس اشتغاله بتعليم وتأديب أبناء حكّام الجور بنافع له - فقد ذكروا أنّه كان معلّماً لأولادهم وأنّه كان يعلّمهم أحكام الصوم والصلاة - لأنّه كان يصبّ في تقوية حكم الظالمين.
(4) فمن كتب الخاصّة «بحار الأنوار» نقلاً عن «تحف العقول»، كما رواها عدّة من محدّثي العامّة في كتبهم. وهي رسالة مهمّة جدّاً تستحقّ تأليف كتاب في شرح كلّ كلمة منها. رواها العامّة لأهميّتها فلم يشأوا أن تخلو كتبهم من رسالة بهذه الأهميّة، ولكنّهم مع الأسف لم يذكروا أنّها من الإمام السجّاد عليه السلام بل قالوا: كتب إليه بعض الصالحين، أو أخ في الدين، وابن عساكر يروي أنّها لأبي حازم الأعرج. وأبو حازم الأعرج هو من موالي أمير المؤمنين سلام الله عليه وصحابيّ جليل من أصحاب الإمام السجاد عليه السلام، وفوق هذا فإنّه الثقة الصالح على ما في كتبهم لترجمته.
(5) تحف العقول: 275.
(6) انظر رجال الكشي: 441 ترجمة صفوان بن مهران الجمال.
(7) الفصول المهمّة: 2/ 240، ح2، باب 10.
(8) تهذيب الاحكام: 3/ 264 ح68.
(9) نهج البلاغة: 421 رقم 47 من وصية له سلام الله عليه للحسن والحسين سلام الله عليهما.
(10) ولكن قبل ذلك لا بأس بالإشارة إلى أنّ السابع من شهر صفر هو يوم شهادة الإمام الحسن سلام الله عليه كما ذكر ذلك جمهرة من أعاظم علماء الشيعة - وهناك قول آخر هو أنّ شهادته كانت في آخر صفر، وهناك أقوال أُخرى أيضاً - ولكنّي لم أعثر في كتب المتقدّمين كالكليني والطوسي والكفعمي وغيرهم أنّ ولادة الإمام الكاظم سلام الله عليه كانت في السابع من صفر، نعم ذكر ذلك بعض المتأخّرين وهو ضعيفٌ.
(11) كفاية الأثر: 226 باب ما جاء عن الحسن سلام الله عليه.
(12) عدة الداعي: 84.