» لين العريكة

العريكة: تعني النفس والخلق، والمستفاد من استعمالاتها في الروايات طبيعة المعاشرة مع الآخرين؛ لأنّ العرك هو الدلك والتحمّل؛ يقال: عرك الأديم أي دلك الجلد.
وحسب هذا الدعاء وكذلك من وجهة نظر الإسلام ومنطق أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، فإنّ المطلوب من الإنسان المؤمن أن يكون ليّن العريكة، أي سلس الخُلق في المعاشرة مع الناس.
وهذه الفضيلة في بني آدم إمّا أن تكون بالطبع، أي ما جُبل عليه الانسان، وإمّا بالتطبّع، أي بالأخذ والاكتساب، أو ما عُبّر عنه في بعض الروايات بالنيّة، أي أن يروّض ويحمّل الإنسان نفسه عليها ويتصنّعها حتى يكتسبها(1).
فمن لم يكن لديه نيّة الوصول إلى خصلة لين العريكة أو كان في الدرجات النازلة من التقوى والصلاح في النفس فهو كالصخرة التي يصعب التأثير فيها، أمّا من توفّر على نيّة الوصول إلى تلك الخصلة أو من كان في الدرجات العليا من التقوى والصلاح فهو من هذه الجهة كالماء يأخذ شكل كلّ شيء يحتويه.
لاشك أن الذي له نفسٌ شديدة العريكة كالصخر، يصعب عليه تحويلها إلى نفس ليّنة قادرة على تحقيق المعالي ولكن يمكنه تحمّلها والتغلّب عليها بالرياضة والتطبّع ليتّصف بالفضائل في الأقوال والأفعال، في السرّاء والضرّاء، والشباب والشيوخة، والسفر والحضر، مع الأهل والجيران والأصدقاء بل حتى مع الأعداء.
فصقل الذات قضية صعبة للغاية، غير أنّه لا بدّ للمؤمن من ذلك، ولا بديل له عن إنجاز هذه المهمّة الضرورية؛ لأنّ كلّ إنسان تواجهه في الحياة عقبات وصعوبات قد يشيب الطفل من بعضها، ولكن لا بدّ له من تجاوزها لئلاّ يتحسّر على عدم التحمل في يوم لا ينفع فيه حسرة ولا ندم.


ألم الحسرة على تفويت الفرصة
لقد روي أنّ الحسرة تعمّ جميع الخلق في يوم القيامة بمن فيهم المؤمنون؛(2) لأنّهم سيتحسّرون على عدم مضاعفة جهودهم في الإكثار من العمل الصالح في الحياة الدنيا ليزدادوا إلى أجرهم أجراً، لذا فإنّ واحداً من مسمّيات يوم القيامة هو يوم الحسرة والندامة.
وليست الحسرة في الآخرة كما هي في الدنيا؛ لأنّ حسرات الدنيا يمكن تداركها بالسعي ومضاعفة الجهد، أمّا حسرات الإنسان في يوم القيامة فلا يمكن تداركها؛ لانقطاع العمل بحلول الأجل.
فإذا كانت الحسرة على تفويت الفرصة تؤذي الإنسان في الحياة الدنيا فكيف به في يوم القيامة الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إلاَّ مَنْ أتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾(3)؟
نقل أحد العلماء ـ وكان في مجلس حضره بعض الفقهاء ومراجع التقليد ـ :
كنت جالساً في صحن مرقد أمير المؤمنين سلام الله عليه مع رفيق لي ـ كان مرجعاً دينياً كبيراً حينذاك، وقد توفّاه الله تعالى ـ وكنّا نتداول بعض البحوث العلمية، إذ مرّ من أمامنا سقّاء يوزّع الماء، وكان رجلاً كبير السنّ يحمل جرّة الماء بصعوبة.
فقال لي صاحبي المرجع: هل ترى هذا السقّاء؟ لقد كنّا معاً زميلين في الدراسة قبل ثلاثين عاماً، وكان يمتاز بالذكاء، ولكنّه توقّف عن مواصلة الدراسة بسبب ضغوط الحياة، فلم يقاوم، فترك الدرس واتّخذ مهنة السقاية للزائرين بدلاً عنه، لعلّه يحرز جانباً من تكاليف معيشته.
ثمّ قال الناقل:
فاصطحبني ذلك المرجع ونهضنا إليه لنسأله عن حاله، فقال لنا بعد أن تذكّر زميله: إنّني أتحسّر وأتأسف ليلي مع نهاري على قلّة صبري وعدم تحمّلي بضع سنوات من الصعوبة حتى استبدلت الأدنى بالذي هو خير.
فالحسرة في الدنيا تنتهي خلال سنة أو سنوات وربما تداركها الانسان، ونادراً ما تستغرق العمر كلّه، ولكن حسرة الدار الآخرة لا تنتهي؛ لفوات تداركها؛ فتكون أبدية ولا حيلة للإنسان حينها في التخلّص منها.


رسول الله ألينهم عريكة
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو القمّة في كلّ الفضائل والأخلاق، وقد وصفه ربّ العرش بقوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظيمٍ﴾(4) وقال تعالى أيضاً: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾(5)، وقال في وصفه الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «وألينهم عريكة»(6).
ولقد نقل التاريخ آثاراً كثيرة، تروي لنا عظمة النبي صلى الله عليه وآله وتبيّن مدى لين عريكته، منها:
ما جرى بينه صلى الله عليه وآله وبين زوجته عائشة، فرغم أنّها تصغره بسنين كثيرة، وهو رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، والذي وصفه الله تعالى من فوق عرشه العظيم بأنّه «على خلق عظيم»، تروي عائشة أنّه: حدث نوع من الخلاف بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وآله فحاكمتْه الى أبيها، وحينما اجتمعوا بادرتْه بالقول: «أقصد يا رسول الله»(7) أي أعدل. ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يردّ على إساءتها تلك ولو بأبسط ردّ، وتحمّل منها ما تحمّل.
وثمّة حادثة أخرى ـ تعكس هذه الخلّة الكريمة لنبيّنا الأعظم صلى الله عليه وآله ـ عُرفت فيما بعد بقضيّة القطيفة الحمراء، فقد روي أنّه في غزوة بدر فقدت قطيفة حمراء من الغنائم فزعم رجل من الأصحاب أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أخذها. فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾(8). فجاء رجل فقال: إنّ فلاناً قد غلّ قطيفة واحتفرها هنالك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بحفر ذلك الموضع فأخرج القطيفة(9). وبرّأ الله تعالى رسوله الكريم.
فمن لين عريكته صلى الله عليه وآله ستره للغالّ لتلك القطيفة وعدم تعريفه للنّاس فضلاً عن عدم أخذه بما اتُّهِم به كذباً وزوراً.
الخلاصة: حريّ بنا أن ندعو الله سبحانه وتعالى بأن يمنحنا هذه الخصلة، ولا ينبغي أن يتخيّل بأن الانسان إذا كان ليّن العريكة أُكِل، أمّا إذا كان صلباً جلب احترام الناس وهيبتهم له؛ بل العكس فإنّ لين العريكة في محلّه هو الذي يجلب القوّة والإحترام، كما أن المؤمنين إذا تحلّوا بهذه الخصلة أمكنهم أيضاً أن يكونوا دعاة للدين بصورة عملية ويكونوا خير مصداق للحديث الشريف المرويّ عن الإمام الصادق سلام الله عليه: «كونوا دعاة للناس بالخير بغير ألسنتكم»(10).
إنّ الدعوة العملية قد لا تكون سريعة الاستجابة، ولكنّها ستكون عميقة التأثير توتي أكلها ولو بعد حين، كما أن التوفّر على خصلة لين العريكة قد يكون أمراً صعباً ويحتاج الى ترويض، ولكنّها إذا توفّرت فإنّها تكون من أقوى أسباب التأثير في المجتمع.


(1) روي عن الإمام الباقر سلام الله عليه أنّه قال: (إنّ الخلق منحة يمنحها الله خلقه فمنه سجيّة ومنه نيّة). وسائل الشيعة: 12/ 151، ح15917.
(2) كما في الخبر: «إنّ أهل الجنّة لا يتحسّرون على شيء فاتهم من الدنيا كتحسّرهم على ساعة مرّت من غير ذكر الله». مستدرك الوسائل: 5/ 288 رقم 5878.
(3) الشعراء: 88 ـ 89.
(4) القلم: 4.
(5) آل عمران: 159.
(6) الأمالي للطوسي: 340 ح695.
(7) المراجعات: 326، تاريخ بغداد: 11/ 239 رقم 5985، كنز العمّال: 13/ 696 رقم 37782. كما نقل الغزالي في كتاب احياء علوم الدين: 2/ 35 آداب النكاح، وكتاب مكاشفة القلوب له أيضاً: 238 باب 94، قولها: أنت الذي تزعم أنك نبيّ الله.
(8) آل عمران: 161.
(9) مستدرك سفينة البحار: 8/ 9 باب السرقة والغلول وحدّهما.
(10) الكافي: 2/ 105 ح10.