» استقلال الخير واستكثار الشرّ

من المسائل التربوية الأساسية هي أن يستقلّ الإنسان الخير الصادر عنه، وأن يستحضر هذا المعنى دائماً ويلقّن به نفسه باستمرار، وأن يلاحظ اللوازم التي أدّت إلى صدور فعل الخير منه، فلا يعتبر سهمه في إنجازه.
وحريّ بالإنسان المؤمن أن يوكل تقييم ما أنجزه إلى الله عزّوجلّ، لقوله تعالى: «ألَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكّونَ أنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً»(1).
ليس المقصود من استقلال الخير احتقاره، بل أن يجد الإنسان نفسه أنّه لا يستغني عن الاستمرار في فعل الخير والمواصلة وإن كثر فعله له، لئلا يرى أنّه أتمّ الواجب وزاده.
إنّ الإنسان إذا أصابه هاجس الاستكثار لما فعل من الخير؛ أدّى ذلك إلى الغرور. حتى أنّ بعض الناس يغترّ لمجرّد عمل بعض الصالحات، ولذلك فعلى الإنسان أن يعرف بأنّ استقلاله للخير هو بمعنى إيجاده الدافع في نفسه نحو إدامة العمل الصالح والإكثار منه.
ففي طلب الإمام سلام الله عليه، نرى نقاطاً جوهرية؛ وهي:
1. طلب المدد الإلهي.
2. الكشف عن الطبيعة الإنسانيّة الخاصّة، في هذا الصدد.
3. قدرة الإنسان على تحقيق هذه المهمّة.
4. استقلال الخير، قولاً أو فعلاً، في داخل نفوسنا.
كما إنّ استكثار قليل الشرّ واستعظامه يعني إيجاد الرادع الذي يحول دون ممارسة المزيد من الأخطاء، فضلاً عن عدم التجرّؤ على الله عزّ وجلّ عبر استصغار السيّئات والتغافل عنها.
إضافة إلى أنّه ينبغي للعبد أن يراقب الله سبحانه وتعالى في المعصية، بغضّ النظر عن كمّية المعصية ونوعيّتها؛ فلعلّه يؤوب الى رشده ويستعظم في نفسه خطاياه وإن قلّت وصغرت.
فإنّك قد تمزح مزحة بسيطة أو غير مقصودة، أو قد تمسّ بيدك عباءة شخص مّا محاولاً إبعاد شيءٍ عنه، فينزعج لذلك؛ ففي مثل هذه الحالات أيضاً يجب عليك أن تستكثر خطأك وتستعظمه وإن كان غير مقصود.
وهذا الحثّ على متابعة مثل هذه الملاحظات كفيلٌ بأن يصنع من الإنسان موجوداً رهيف الحسّ يشعر بالمسؤولية الدائمة عما يبدر منه من تصرّفات وإن كانت صغيرة أو قليلة، فيتنبّه؛ بينما الغفلة عن الصغائر وعدم الاكتراث بها وإهمالها يمكن أن يُحوّلها إلى كتل كبيرة ـ كما هو الحال في كرة الثلج التي تبدأ حين تدحرجها من قمّة المرتفع بحبات أو ذرات بسيطة من الثلج لتفاجئ من هم في الأسفل بوجودها الضخم ـ ولذا يجب أن يتنبّه الفرد إلى أنّ عدم استصغار قليل الشرّ بحدّ ذاته يعتبر إصراراً عليه، وهو ما ورد التحذير عنه في كثير من الروايات باعتباره تجرّياً على الله سبحانه وتعالى، والعياذ بالله.


بين الاستقلال والاستكثار
إنّ للمؤمن مع نفسه حالات يمكن من خلالها أن يعلم مدى ارتباطه بالله عزوجل.
مثلاً: لو قُدّر للإنسان أن يصلّي صلاة الليل في ليلة باردة، فذاك فعل خير متميّز يستحقّ عليه جزيل الثواب، ولكي يتعوّد على ذلك ويستمرّ به، عليه أن يستقلّه ويرى أن القسط الأوفر منه هو توفيق الله سبحانه وتعالى، ثمّ نعمه الكثيرة التي هيّأت له إمكانية الأداء.
وكذلك الحال لو بدأ بالسلام على أخيه المسلم أو صام صوماً استحبابياً إلى غير ذلك من الصالحات، فلا ينبغي له استكثاره أبداً.
لا ينبغي الاستهانة بأية سيّئة، مهما كان حجمها وبعدها، فإنّه لو شاء الله عزّ إسمه، لأخذ الفرد على ذلك وأذاقه وبال أمره، لأنّ الخطيئة بغضّ النظر عن حجمها وطبيعتها، هي بمثابة التحدّي والجرأة على الله عزّ وجلّ، من خلال الاستخفاف بتشريعه، وكأنّ الإنسان لدى ممارسته الذنب يريد أن يثبت ـ بطريق باطل ـ وجوده بإزاء وجود الله وجبروته وأوحديّته في حقّ التشريع وفرض الإرادة وبسط المشيئة.
فما هي قيمة الإنسان الذليل الفقير حين يضع نفسه بإزاء خالقه العزيز الغني، كي يسوّغ لنفسه بأن يرتكب ما يرتكب من الخطايا والذنوب، ثمّ لا يستكثرها ويصرّ عليها مستكبراً جذلاً وكأنّه قد بلغ الجبال طولاً وخرق الأرض قوّةً، وأنّى له التناوش وهو الكائن الضعيف لولا عقله الذي زيّنه به البارئ تبارك وتعالى، وأوجب عليه إعماله لمعرفة قيمته من خلال الاطلاع على خبايا نفسه، وليتسنّى له معرفة ربّه تعالى.
لهذا وغيره يجدر بالإنسان أن يكون حذراً للغاية في موقفه من الخطأ، فيحصي على نفسه كلّ زلّةٍ وهفوة، ضمن برنامج دقيق يقضي بمحاسبة النفس، لئلاّ يتّسع عليه الخرق.
روي أنّ النبي صلى الله عليه وآله نزل بأرض قرعاء، فقال لأصحابه: ائتوا بحطب. فقالوا: يا رسول الله، نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب. قال: فليأت كلّ انسان بما قدر عليه. فجاؤوا به حتى رموا بين يديه، بعضه على بعض.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «هكذا تجتمع الذنوب». ثمّ قال: «إيّاكم والمحقّرات من الذنوب، فإنّ لكلّ شيء طالباً، ألا وإنّ طالبها يكتب ما قدّموا وآثارهم وكلّ شيءٍ أحصيناه في إمام مبين»(2).
وبما أنّ الإنسان مبتلىً بالنفس الأمّارة بالسوء فضلاً عن وسوسة الشيطان اللعين، فإنّه يغفل عن الواجب من محاسبة النفس.
ولأجل ذلك، فهو بحاجة إلى تصميم قاطع، تبعاً لأهمية الموضوع.
ويلزم أن نعلم جميع الواجبات الملقاة على عواتقنا ـ وبالأخصّ تلك التي لا نعيرها أهمية بسبب جهلنا أو تجاهلنا لها ـ والعمل بمقتضاها، مثل واجب أداء حقوق الجار وما ينبغي له علينا من العلاقة الطيبة وتفقد أوضاعه والدعاء له، كما كانت تفعل السيّدة الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها حيث رُوى أنّه رآها ولدها الإمام الحسن المجتبى عليه الصلاة والسلام في مصلاّها تعبد ربّها وتدعو للجيران حتى طال بها المقام إلى الفجر، فسألها عن سبب اهتمامها الكثير بالجيران وعدم ذكرها لنفسها أو أفراد أسرتها فأجابته قائلة: «الجار ثمّّ الدار»(3).
فالكثير من الواجبات المنسية يتوقّع من الإنسان الاهتمام بها لكي لا يفاجأ يوم القيامة بكتاب يحوي كلّ ما غاب عنه أو غيّبه عامداً بنفسه فيتضاعف لديه الإحساس بالندم والحسرة، وقد صوّرت الآية القرآنية هذه الحقيقة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحتَسِبُونَ﴾(4) حين يرى الناس أنفسهم صفر اليدين بسبب ما نسوا من الواجبات أو تناسوه، أو بما استكثروا من فعل الخيرات، حين ألحقوا أعمالهم بالمنّ والأذى، فحبطت أعمالهم وهم لا يشعرون، غافلين أنّ ما كانوا قد فعلوه من الخير إنّما هو بهداية الله تعالى وتوفيقه، فهو الذي زوّدهم بنعمه الجزيلة، وهو الذي هداهم ومهّد لهم السبل وسهّل عليهم فعل الخير.
ولقد نقل لنا التاريخ ما قام به أهل بيت نبيّنا صلى الله عليه وآله في هذا الإطار لنتّخذه نبراساً تسير وفقه حياتنا الإيمانية، منها ما روي عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: أنّه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت يده، ويتصدّق بالأجرة، ويشدّ على بطنه حجراً(5)، ولم يعتبر ما قام به شيئاً.
كما روي عن الإمام الحسين صلوات الله عليه حين قصده فقير، فقدّم له أربعة آلاف دينار ـ ما يعادل عشرة كيلوات من الذهب ـ واعتذر له من وراء الباب على أنّه لو كان باستطاعته تقديم الأكثر لفعل(6).
وكذلك روي عن الإمام السجّاد وأولاده الميامين سلام الله عليهم هذا السلوك. وهؤلاء هم أئمّتنا الذين يجب أن نقتدي بهم، وهكذا كان علماؤنا رضوان الله تعالى عليهم، فقد كانوا على مستوىً رفيعٍ للغاية من الأدب مع ربّهم، مما يشير إلى وعيهم وإدراكهم حقيقة الحياة ودورهم فيها، فكانوا يستقلّون الخير المنبعث منهم ويستكثرون الشرّ الصادر عنهم ويقدّمون خدمتهم للآخرين على طبق من الإخلاص، ولا يلحقون بما قدّموا منّاً ولا أذىً ولا عجباً ولا رياءً، كما كانت عبادتهم الغاية في الكثرة واليقين، ومع ذلك لم يستكثروها، فكانوا النموذج المثالي لذلك.
 

استقلال الخير
يطلب الإمام زين العابدين سلام الله عليه من الله سبحانه وتعالى، ويعلّمنا أيضاً أن نطلب منه عزّ وجلّ أن يخلق في نفوسنا حالة استقلال ما يصدر منّا من الخير، فلا نستكثره فنتوقّف عنده، وإنّما نستعينه تبارك وتعالى ليجعل فينا حالة الإصرار على الأعمال والأقوال الصالحة، لنكون بمثابة شعلة دائمة التوهّج، عميمة النور وكذلك نطلب من الله سبحانه، أن يجعل في ذواتنا حالة استكثار الأعمال والأقوال الطالحة التي ربما تصدر ـ لا سمح الله ـ منّا.
وهذا الشعور ينبع من إدراك الإنسان بأنّ ما قدّمه ويقدّمه من الصالحات قليل، لعدم تناسبه مع ما ينبغي له من السموّ في فعل الخير والصلاح.
والإنسان إذا ما استطاع السير في طريق استقلال الخير واستكثار الشرّ، فإنّه سيصل إلى واقع آخر، وهو شعوره بالتقصير والعبودية في آن واحد أمام ربّه العزيز فيزداد تعلّقه بربّه ليرتقي الى مراتب من السموّ والكرامة الحقيقية، كما تحقّق ذلك للأولياء والصالحين ممّن أنعم الله عليهم وأكرمهم بكرامة القرب منه.
 

استكثار الشرّ
أمّا المطلب الثاني الوارد في الدعاء، فهو الطلب من الله تعالى أن يخلق فينا الشعور باستكثار الأعمال والأقوال الشرّيرة وإن كانت ضئيلة، ليكون هذا الشعور رادعاً يحول دون تمادينا في باطل الحياة الذي يؤول بالإنسان إلى عقاب الله وعذابه الشديد.
فالإنسان حينما يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يعطيه ملكة استكثار الشرّ وإن قَلّ، يكون قد سلك شيئاً طريق استقباح كلّ شرّ، وهذا ما يؤدّي به تدريجاً إلى الامتناع عن كلّ شرّ وإن قلّ وصغر.
ولعل هذه الحالة النورانية هي التي بلغت ببعض الأولياء والصالحين إلى طيّ المسافات بعد تجشّم العقبات ليبلغوا عند عتبات العصمة التي تمثّل الذروة فيما يمكن للإنسان ـ من غير النبي والأئمّة ـ أن يبلغها، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، فإنّ مرتكب الشرّ والجريرة ينبغي أن يعلم بأنّه إنّما يسيء لما استخلفه الله عليه، باعتبار أنّ الله سبحانه وتعالى هو المالك الحقيقي لكلّ شيء «إنَّا للهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُون»(7). فنفس الإنسان وكيانه ووجوده ملك صرف لله تعالى وحده، وهذا الملك صائر وراجع إليه دون سواه، وعليه؛ فابن آدم مدعوّ إلى مراجعة نفسه ومحاكمتها على ما ارتكبته من شرّ فيما لا تملك؛ إذ ارتكاب الشرّ يعني ـ جملةً وتفصيلاً ـ تجاوزاً وانتهاكاً لحرمة الخالق وسلطته على مخلوقاته، والتي في ضمنها الإنسان نفسه، وسائر ما يحيط به.
لذلك فإنّ الذنب مهما تضاءل في نظر صاحبه، فهو كبير في مقياس العبوديّة فضلاً عن أنّه يعدّ استخفافاً يجرّ إلى استسهال التجرّي على العصيان، وبالتالي يرى الإنسان نفسه أداة طيّعة لمختلف حالات الإجرام والمعاصي.
فالمفترض بالإنسان أن يقطع الطريق على وساوس نفسه وما يملي لها الشيطان، لئلا يقع فيما لا يحمد عقباه، فيستشعر فداحة ما يصدر عنه من الأخطاء التي منعه الشارع المقدس عن الوقوع فيها.


هل يصدر الشرّ من الإمام ليستكثره؟!
لقد ثبت بالأدلّة النقلية والعقلية القطعية عصمة أئمة آل البيت عليهم الصلاة والسلام ومنهم الإمام زين العابدين سلام الله عليه، ومما لا شك فيه عدم صدور الشرّ من الإمام، والإمام السجّاد سلام الله عليه ـ شأنه شأن سائر أهل البيت صلوات الله عليهم ـ لا يصدر عنه ترك الأولى، فضلاً عن ارتكابه الشرّ والعياذ بالله(8).
فطلبه سلام الله عليه من الله تعالى أن يدفعه عن استكثار الشرّ، وأن يجعل فيه حالة استقباح الباطل وكرهه له، ينبغي النظر إليه بملاحظة سائر الجهات أي: بمنظار أوسع.
فمن تلك الجهات هي أنّ الإمام يهدف إلى إرشاد وتوجيه المؤمنين إلى أن يطلبوا من الله ذلك، وكأنّه في هذا المقام يوحي إلى قارئي هذا الدعاء بضرورة الانتباه وتمييز الحالات النفسية في ذات كلّ إنسان لدى قيامه بعمل الخير أو الشرّ، كما تقدّمت الإشارة إليه.
ومن تلك الجهات أنّ الإمام يخاطب الربّ بلسان المخلوق الذي لا تنفكّ عنه لوازم المخلوقية، ومنها العجز، فإنّ المعصوم وإن كان أعلى من غيره بفاصلة غير متصوّرة، ولكن هذه الفاصلة تبقى دون الفاصلة اللامحدودة بين الخالق والمخلوق. فمن لوازم المخلوق العجز والمرض، والإرهاق والتعب، لذلك فإنّ المعصوم مع تلك الطوارئ التي تعرض عليه كإنسان يجد نفسه قاصراً تجاه أداء حقّ العبوديّة لله تعالى وإن كان معذوراً.
لقد جاء في رواية سماعة أنّ الإمام الصادق سلام الله عليه قد حال المرض بينه وبين الصوم لمدّة ثلاث رمضانات متتالية لم يصم فيهنّ ثمّ أدرك رمضاناً، قد عافاه الله فيه، فصامه وتصدّق بدل كلّ يوم ممّا مضى بمدّ من الطعام(9). فكأنّه سلام الله عليه يشعر في مثل هذه الحالة بالتقصير وإن رُفع عنه التكليف بسبب مرضه.
وإذا أردنا أن نضرب لذلك مثلاً، نقول:
إذا سيطرت عليك رغبة قويّة لرؤية إمام العصر؛ الحجّة المنتظر عجّل الله تعالى فرجه ولو لدقيقة واحدة، ثمّ بحثت عن وسيلة تحقّق ذلك، فقيل لك: إنّ وسيلة ذلك هي أن تعمد إلى أنواع خاصّة من العبادة، بواسطتها يستجيب الله تعالى لطلبك في رؤية الإمام، وفعلاً بدأت تلك العبادة والأعمال، ولكنك لم توفّق لرؤيته عجل الله تعالى فرجه الشريف، فأعدت الكرّة، واستغرق منك الأمر أشهراً وسنين مديدة، ولم تفتر فيها عزيمتك أو تخمد رغبتك، ثمّ صادف أن ابتليت بمرض عضال أقعدك عن القيام ورأيت نفسك مجبراً على ملازمة فراش المرض دون أن تستطيع حتى تحريك ساقيك. وفي تلك الأثناء، ظهر لك من كنت تتمنّى رؤيته ولو لدقيقة واحدة ـ وكنت على يقين بأنّ هذه الرؤية ستضمن لك سعادة الدارين الدنيا والآخرة ـ فأردت أن تُظهر له مقدار حبّك وإجلالك له والتعبير عن مدى شوقك إليه، فعزمت على القيام، فعجزت، وأردت أن تجمع قدميك ـ مستجمعاً كلّ قواك ـ احتراماً له، فلم تقدر، إذ ذاك تبادر بالاعتذار إليه، معتبراً قصورك هذا تقصيراً بحقّه وبرفيع منزلته، للعجز من جانبك، الأمر الذي من شأنه أن يقرّبك إلى وليّ الله الأعظم أرواحنا فداه.
فالمعصوم لا يخرج عن كونه إنساناً، علم الله ما سيكون عليه من النزاهة والإخلاص والتقوى، فزاده من فضله ضمن قوانين كتبها سبحانه وتعالى، كما كتب على نفسه الرحمة لخلقه من قبل.
وليس أعظم من نعمة العصمة التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان، فأصبح نبيّاً أو وصيّاً وإماماً، ولذلك فهي ـ نعمة العصمة ـ تستوجب المزيد من الخضوع له تبارك وتعالى، كما تستوجب على المعصوم تحمّل عدم قدرة الإنسان على استيعاب الفاصلة اللامحدودة بين المخلوق وعظمة الخالق وعدم وجود عبادة قادرة على تقليل تلك الفاصلة.
ومن مصاديق ما كان المعصوم يعتبره شرّاً رغم العذر الشرعي له هو ما ورد في خبر سماعة عن الإمام جعفر الصادق سلام الله عليه.


دوام الطاعة
يوضّح الإمام السجّاد سلام الله عليه بقوله: «وأكمل ذلك لي بدوام الطاعة». أنّ كمال استقلال الخير واستكثار الشرّ يتوقّف على دوام الطاعة، فلا يتوقّف ابن آدم عند حدّ من الحدود في كدحه إلى ربّه عزّوجلّ، بل يسأل ربّه ثمّ يعزم على العمل الطاعة بصورة دائمة، وإن كانت قليلة، فقد ورد في الأثر: «قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول»(10)، والمرء إذا تعوّد فعل الخير وإن قلّ، تاق الى أكثَرَ منه، لما سيشعر بذلك من اللذة، وبما سيتكرّس لديه من الرغبة في الحصول على الجزاء الأوفى.


قصّة الابتلاء وعبرة الإجابة
نقل لي من أثق به عمن أعرفه - وقد توفّاه الله سبحانه - أنّه كان بصدد تأليف كتاب في الدفاع عن مقام أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وإثبات حقّهم، فانشغل بجمع المصادر، حتى أوقفته الحاجة إلى أحد الكتب المهمة، فبحث عنه بحثاً كثيراً، لكن دون أن يوفّق للعثور عليه، فرأى أن يذهب إلى مرقد أمير المؤمنين سلام الله عليه وأن يتوسّل به ليهيّئ له وسيلة العثور عليه، وطال توسّله أشهراً، وهو خلال ذلك لم يكلّ عن البحث عنه في المكتبات.
يقول: وذات يوم كنت قرب ضريح أمير المؤمنين صلوات الله عليه، واضعاً عباءتي على رأسي ـ وكانت هذه الهيئة منه لئلاّ يشغله شيء عن توجّهه ـ منشغلاً بالدعاء إلى الله تعالى والتوسّل بالإمام ليرشدني إلى ضالّتي، سمعتُ صوت رجل قرويّ قريب منّي يكثر الإلحاح على الإمام في أن يجيبه لما يريد، وقد ضمّن كلامه كلمات حادّة وفيها تهديده بعزمه على عدم زيارة الإمام أبداً إذا لم يُجبه.
قال: فتأثّرت لذلك كثيراً، وهالني هذا الأسلوب الفضّ في التحدّث مع سيّد الأوصياء وأمير المؤمنين سلام الله عليه، وأردت أن أعاتب الرجل وأؤنّبه عما بدر منه، ولكنّي أحجمت عن ذلك وقلت في نفسي إنّ الإمام أعرف بلسان الرجل.
قال: بعد أيام قلائل وبينما كنت عند الضريح مستمرّاً في توسّلي بالإمام إذ سمعت الرجل نفسه وقد بدت على كلامه أمارات السرور، وهو يضفي للإمام عبارات المدح والثناء بأسلوبه الخاص، وكأنّ الإمام قد قضى له بإذن الله حاجته. فتأثّرت في نفسي من سرعة الإجابة لهذا الرجل القرويّ في شأن من شؤون الدنيا، بينما أتعرّض للإهمال في ما نويت فيه الدفاع عن حقّ أهل البيت.
فقلت ذلك لأمير المؤمنين، لكن ندمت بعده، وعدت إلى البيت غارقاً في التفكّر ولم أعد أشتهي تناول الطعام وقد هجرني النوم.
وحين الصباح جلست إلى أوراقي لكي أكتب شيئاً، والضجر يملأني، جاءني ابني ليقول لي: بأن رجلاً ـ كان جاراً لنا قديماً حيث كنا نسكن في منطقة أخرى ـ يريد رؤيتي. فقلت له بأن يسمح له بالصعود إلى غرفتي.
وحينما استقرّ به المكان قال لي: إنّ سبب زيارتي لكم هو أنّنا انتقلنا من المحلّ الذي كنّا وإيّاكم فيه، إلى بيت آخر، وحين انشغالنا بتنظيف البيت رفعتُ ولدي إلى أحد الرفوف لينظّفه، فوجد فيه كتاباً قديماً، فنزل به وأنا لا أعرف القراءة والكتابة، فرأيت أن آمره بوضعه في مسجد المنطقة ليستفيد منه الآخرون، ولكنني غيّرت رأيي حينما تذكّرتك وقرّرت أن آتيك به. فبحثت عنك، إلى أن وجدت دارك، وها هو الكتاب.
قال: فتناولت منه الكتاب وفتحته، فإذا نفس الكتاب الذي استغرقت في البحث عنه أشهراً، فأسقط في يدي، وتأكّدت من أنّ الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه إستجاب لطلبي، ولكن بعد مدة.
والسبب في تأخير الإجابة، رغم قدرة الإمام ـ بإذن الله تعالى ـ عليها فوراً، هو الإمتحان أحياناً، قال الله تعالى: «أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون»(11) بمعنى أنّ لكلّ امرئ امتحانه وبلاءه ليثبت جدارته ويرفع من منزلته عبر الاستمرار في الطاعة والإلحاح في الدعاء الذي هو عبارة عن وسيلة لتقوية علاقة العبد بخالقه من جهة، ولكي يشمل الله سبحانه عبده بمزيد من العناية والرحمة من جهة أخرى: «قُلْ مَا يَعْبَأ بِكُمْ رَبّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُم»(12).


إغتنام الفرص
من الضروري اغتنام الفرص الحسنة للاستزادة من العبادة والطاعة، لاسيما أيّام شهر رجب الأصبّ(13) وشهر شعبان المعظّم وشهر رمضان المبارك، ليكرّس فيها الإنسان ما يملك من قوّة ليعي العبادة ويقوم بأدائها حق الأداء بالإضافة إلى مواصلة مهمّة محاسبة النفس، كما أمرت بذلك الأحاديث والروايات الشريفة التي نقلها كبار علمائنا في كتبهم؛ فقد ورد عن أهل البيت صلوات الله عليهم أنّ الله يجزي عامل الصالحات والمحاسب لنفسه من الجزاء - خاصّة في هذه الأشهر المباركة، ومنها شهر رجب الأصبّ الذي تُصبُّ فيه الرحمة والبركة على رؤوس العباد صبّاًـ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ.
والورع عن محارم الله من الأمور الموصى بها في هذه الأشهر خاصّة، الأمر الذي يستلزم معرفة المحرمات أوّلاً. وبالورع تقلّ نسبة الحسرة في يوم القيامة بعد ما يُرى ما يناله المتّقون مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وهذا كلّه يكون بالخروج من الامتحان الإلهي بنجاح.


(1) النساء: 49.
(2) الكافي: 2/ 288 ح3 باب استصغار الذنب.
(3) كشف الغطاء: 2/ 309. محاكاةً لما روي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله في حقّ الجار أنّه قال: «مازال جبرائيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنّه سيورثه» (روضة الواعظين للنيسابوري: 387).
(4) الزمر: 47.
(5) راجع الأربعين للقمّي الشيرازي: 417.
(6) مناقب آل أبي طالب: 3/ 222.
(7) البقرة: 156.
(8) قد يقال إنّ طلب الإمام هذا من قبيل القضية الشرطية، التي تكون صادقة حتى مع عدم صدق الطرفين ـ الشرط والمشروط ـ وقد ورد في القرآن الكريم نماذج عديدة لذلك؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ (الزخرف: 81) والحال أنّه لا ولدَ لله تعالى، ولا النبي بعابدٍ لذلك الولد. أو قوله تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله﴾ (الحشر: 21) بينما لم يحمّل الله الجبل مسؤولية وأمانة حمل القرآن، ولم يتصدّع الجبل. ولكن المهمّ في الأمر هو وجود قضية شرطية وهي قضية مجرّدة تسبح في آفاق الذهن، ولا وجود لمصداق خارجي لها.ّ
فمثل هذه العبارة إن صدرت عن معصوم فإنما تدلّ على نوع من التوجّه الاكثر إلى الله تعالى، الغرض منها طلب المزيد من القرب إليه سبحانه، لما يشعر به المعصوم من قصور لأداء الأعمال والعبادات اللائقة بالربّ العزيز.
ويمكن أن يقال أيضاً: إنّ الإمام لم يقيّد تعبيراته بالتقصير. يقول سلام الله عليه ضمن دعاء آخر: «خيرك إلينا نازل وشرّنا إليك صاعد» (الصحيفة السجادية، ضمن دعائه في أسحار كلّ ليلة من شهر رمضان) وإن كان يمكن توجيه العبارة كالتالي: أي عجزنا عن أداء حقّ عبادتك، إليك صاعد، فما يصدر منك هو الخير، وما يصدر عنّا هو العجز، الذي يعبّر عنه الإمام بكلمة الشرّ.
(9) تهذيب الأحكام: 4/ 251، ح21، باب 60 ـ من أسلم في شهر رمضان وحكم من بلغ الحلم فيه ومن مات وقد صام بعضه أو لم يصم منه شيئاً ـ .
(10) نهج البلاغة: 4/ 68، رقم 278.
(11) العنكبوت: 2.
(12) الفرقان: 77.
(13) روي عن أبي عبد الله سلام الله عليه أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ... وسمّي شهر رجب الأصبّ، لأن الرحمة تصبّ على أمّتي فيه صبّاً. (الحدائق الناضرة: 13/ 453).