اللهُمَّ صَلّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاجْعَلْ أوْسَعَ رِزْقِكَ عَلَيَّ إذا كَبرْتُ، وَأقْوَى قُوَّتكَ فيَّ إذا نَصَبْتُ، وَلاَ تـَبْتَلِيَنّي بِالْكَسَلِ عَنْ عِبَادَتكَ وَلاَ الْعَمَى عَنْ سَبِيلِكَ، وَلاَ بالتَّعَرُّضِ لخِلاَفِ محَبَّتِكَ وَلا مُجَامَعَةِ مَنْ تـَفَرَّقَ عَنْكَ، وَلا مُفَارَقـَةَ مَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْكَ...

» أوسع الرزق وأقوى القوّة

يسأل الإمام من الله تعالى سعة الرزق حين الكبر، وأقوى القوّة حين النصب. ولاشكّ أنّ رزق الإنسان على الله في تمام عمره بل كلّ مخلوق رزقه على الله تعالى؛ «وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأرض إلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا»(1).
والرزق قد يكون موسّعاً وقد يكون مضيّقاً. وحيث إنّ قوى الإنسان تضعف في الكبر عادة، الأمر الذي يؤدّي الى ضعفه عن الحركة والنشاط كما كان أيّام شبابه، لذلك فإنّه غالباً ما يحتاج إلى من يعينه ويأخذ بيده للقيام بأكثر أموره ومنها الحصول على رزقه. فإذا كان الرزق واسعاً كانت الحاجة إلى المساعدين أقلّ، والعكس بالعكس، وليس كلّ إنسان يتمكّن من تحصيل من يساعده في تمام شئونه، حال شيخوخته. لذلك ترى الإمام سلام الله عليه يخاطب ربّه الجليل ويطلب منه أن يجعل أوسع رزقه له أيّام كبره وشيخوخته ليكفيه مُؤنه ولا يكله إلى غيره، لأنّه أحوج ما يكون لسعة الرزق في تلك الفترة؛ لضعفه عادة وصعوبة تحصيل من يقدّم له العون بلا منّة أو أذى.
 

بحث في الرزق
هنا ملاحظتان:
الأولى: إنّ الرزق قد يكون بالمعنى الأخصّ وهو الرزق المادّي، وقد يكون بالمعنى الأعمّ وهو ما يشمله ويشمل الرزق المعنوي أيضاً، ولعلّه هنا يُراد به المعنى الثاني، أي الأعمّ.
الثانية: إنّ الإمام أضاف الرزق إلى الله تعالى، فقال: «أوسع رزقك» ـ وإن كان يصحّ نسبته إلى نفسه أيضاً باعتبار آخر، أي الحصّة التي قسم له منها ـ فإنّ الرزق يصدر عن الله تعالى ثمّ يصير إلى العبد، ولذلك يصحّ التعبير «رزقك يا إلهي وقوّتك» وأيضاً: «رزقي»، ويراد به «الرزق الذي أنت منحتنيه يا إلهي» لمناسبة دخول ياء المتكلّم هنا كما ورد في بعض الأدعية.
إذاً لماذا عدَل الإمام ـ في هذا الدعاء ـ إلى التعبير الأوّل وهو «رزقك»؟
ما يمكن استفادته في المقام أمران:
الأول: استبطان الشكر في هذا التعبير. أي أنّه اُشرب معنى الشكر من خلال الاعتراف بأنّ الرزق إنّما هو من عند الله تعالى دون سواه. فتارة يطلب العبد من مولاه أن يوسّع عليه ما قسم له من الرزق فيقول: أوسع عليّ في رزقي. أي الرزق الذي قسمته لي، وتارة يقول له: أوسع عليّ من رزقك. ولاشكّ أنّ المصداق في التعبيرين واحد؛ لكن في التعبير الثاني لحاظ الصدور. فقوله «رزقك» يكون مشرباً بذلك المفهوم وإن لم يرد في اللفظ فلم يقل: «رزقي الصادر منك» بل ارتقى وقال: «رزقك» ليؤكّد على اللحاظ الثاني، وهو جهة الصدور، ويصرف الذهن عن اللحاظ الأوّل وهو جهة الوصول.
الثاني: إنّ هذه الإضافة إلى الله سبحانه تعني اعترافاً من قبل الداعي بأنّه لا حقّ له على ربّه، بل الله هو المبتدئ بالإنعام، كما أنّها تشير ـ من ناحية أخرى ـ إلى سعة الرزق عندما تنسب إلى الخالق سبحانه؛ فإنّ الرزق إذ لوحظ من حيث نسبته إلى الله تعالى فسيأخذ آفاقاً واسعة لاتحدّها الحدود لأنّه سيشمل كلَّ المخلوقات، وحيث إنّ الحديث عن أوسع الرزق فناسبه قوله سلام الله عليه: (من أوسع رزقك).
يقول أهل اللغة إنّ الرزق مصدر مضاف، وإن المضاف يتّسع ويضيق بسعة المضاف إليه وضيقه. فإذا اُضيف إلى العبد فيكون بقدر ما قسم الله له، ولكن إذا أضيف إلى الله تعالى كان بعدد ما لا يحدّ ويحصى.
 

نكته أدبية
أمّا استخدامه صلوات الله وسلامه عليه لمفردة (عليَّ) عوضاً عن كلمة (إليَّ) في قوله: «أوسع رزقك عليّ..» فإنّما يشير إلى أدب بالغ يهدف الإمام من ذكره أن الإنسان المؤمن يحسّ بالصغر أمام عظمة الله عزّوجلّ، فهو سلام الله عليه يصوّر للداعي حالة الرزق وهو ينزل من العالي وهو الله تعالى إلى الداني وهم خلقه، فيكون مثله كالشلال الذي ينزل على من يقف تحته ويغمره. فاستفادة الداعي من كلمة (عليّ) لدى مخاطبة ربه الجليل يوحي: بأنّك يا إلهي وحدك العالي، وما يصدر عنك إنّما يصدر من علوّ مكانك وشرافة قدسك، إلى دنوّ مكاني وضعة نفسي، فأنا عبدك الذي لا يملك لنفسه سوى ما يهبط عليه من فضلك، فضاعف يا إلهي من رزقك عليّ إذا ما تضاعفتْ حاجتي حين الكبر.
 

القوّة والنصَب
يقول الإمام سلام الله عليه أيضاً: «وأقوى قوّتك فيّ إذا نصبت».
النصب: التعب والإعياء، وهو أعمّ من التعب الناشئ عن مزاولة بعض الأعمال، فقد ينتج التعب عن تقدّم الإنسان في السنّ أو التعرض لمصاعب الحياة، وقد يكون نتيجة الفقر سيّما إذا كان المبتلى به عزيز النفس يصعب عليه الاقتراض فضلاً عن الاستعطاء، بل قد يتوسّع مفهوم النصب ليشمل ضعف النفس أو ما ينتج عنها، الأمر الذي يُقعد الإنسان ويعيقه عن الحركة والنشاط؛ باعتبار أنّ قوّة الإنسان الحقيقية تكمن في قوّة النفس، والعلاقة بينهما طردية. فتمتّع النفس بالقوّة والنشاط يعني تمتّع سائر بدن الإنسان بهما، والعكس بالعكس. وقد رأينا نماذج كثيرة من أنّ الوازع النفسي يعمل على تنشيط المُقعد من الناس، وكيف أن التثبط النفسي يُقعد عن الحركة صاحب البدن السليم النشط.
فمثلاً لو أنّ شخصاً كان مرهقاً لأنّه لم ينم منذ يومين ـ ولاشكّ أنّ النوم أحبّ إليه من أي شيء في تلك الحالة ـ وكان على وشك أن ينام إذ طرق باب داره شخص عزيز عليه لم يره منذ فترة طويلة وكان يتمنى رؤيته، أترى كيف يزول عنه إحساس التعب والإعياء، وربما يجلس للحديث معه حتى الصباح دون أن يحسّ حتى بمرور الوقت، وهذا إنّما يدلّ على أنّ العامل النفسي تغلّب على العامل البدنيّ.
وفي هذه الجملة من الدعاء يطلب الإمام السجّاد سلام الله عليه من الله سبحانه، ويعلّمنا أيضاً أن نطلب منه أن يرزقنا أقوى القوّة حين النصب والإعياء.
ولعلّ من جملة ما يقصده الإمام في طلبه هذا هو أن يُحدث اللهُ تعالى في نفس الداعي التوازن في كلّ أبعاده المادّية والمعنويّة، بمعنى أنّه متى ما حلّ فيه النصب النفسي وما يتبعه من تعب جسميّ، أسعفته القوّة الربانية لتعيد له توازنه، فيبقى إنساناً متعادل الجوانب، سواء على صعيد المشاعر والأحاسيس أو الأقوال والأفعال.
فقد ورد في الحديث عن الصادق سلام الله عليه، في ذكر المؤمن وصفاته المتميّزة، ومنها صفة عالية لا يمكن للإنسان الاتصاف بها مالم تكن له خلفيّة إيمانيّة كثيرة؛ يقول سلام الله عليه: «وإن تداكّت عليه المصائب لم تكسره»(2).
هذا الحديث الشريف هو في سياق بيان مسؤولية الإنسان في إحراز قوّة روحية تكفل له مقاومة المصائب وإن تكاثرت وتوالت عليه، فلا ينهزم ولا ينكسر ولا يجزع في أوّل اختبار له. فالدنيا دار بلاء وتعرّض للنوائب والمصائب، فالمطلوب منه الصلابة والاستقامة والوقوف بوجهها عبر ما أعدّ من قوّة نفسية تؤهّله لإنجاز مهمّته في الحياة وإثبات جدارته وأهليّته ليكون حقّاً خليفةً لله في أرضه، وليكون النموذج الأمثل الذي يستحقّ الأجر والثواب في الآخرة.
وخير مصداق لهذه الحقيقة ما نقل عن الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه في يوم عاشوراء حين تداكّت عليه المصائب والرزايا بكلّ صورها، حيث وصفه عبد الله بن عمّار بقوله: ما رأيت مكثوراً قطّ قد قُتل ولده وأهل بيته أربط جأشاً منه(3).
فالإمام الحسين سلام الله عليه كان في يوم عاشوراء حتى الساعات الأخيرة من المعركة طبيعيّ المظهر، لا يعبأ بحقد الأعداء وتكالبهم عليه، فكان يقاوم ما قد حلّ به من المصائب الكبرى والرزايا العظمى التي لم تكن قد نزلت بأحد غيره، فكان قدوة للمؤمنين في الثقة بالله تعالى.
الخلاصة: إنّ التغلّب على المتاعب والمصائب لا يتأتّى إلا بممارسة الرياضة النفسية من خلال الورع والاجتهاد، ولعلّ من مفاتيح تلك الرياضة الأدعية المأثورة عن أهل البيت سلام الله عليهم والتي تمثّل في الحقيقة أعظم كنز لمن أراد الاستفادة منها في تقوية نفسه لمواجهة ما يمكن أن يصدر عنها من سوء بسبب وساوس الشيطان ومصائب الحياة الدنيا ورزاياها.


(1) هود: 6.
(2) الكافي: 2/ 89 ح6.
(3) مثير الأحزان لابن نما الحلي: 54.