» الابتلاء بالكسل عن العبادة والعمى عن سبيل الله

أصل الابتلاء في اللغة من «بلِيَ، يَبْلَى، بَلَىً... الثوب وبلاءً، إذا صار خَلِقاً، فهو، بالٍ، أي خَلِقٌ، رثٌّ».
والبلوى والبلوة والبليّة جمعها بلايا: المصيبة والغمّ؛ كأنّه يبلي الجسم. والابتلاء: الاختبار بها(1).
أمّا بلا يبلو (من باب نصر ينصر) فهو بمعنى الاختبار، ويكون في الخير والشر؛ قال تعالى: «وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً»(2).
وقيل: الابتلاء: هو الاختبار مع شدّة؛ لأنّ أهل اللغة يقولون: إنّ الزيادة في المباني تدلّ على زيادة في المعاني.
وقيل أيضاً: إنّ هناك علاقة بين البلى (من بلي يبلى) والبلاء (من بلا يبلو) لأنّ هناك ترابطاً في المعنى بين الكلمات التي تتألّف مصادرها من ذات الحروف، وإن كانت من أبواب مختلفة ولها معانٍ مختلفة.
ومن ثمّ فإنّه يمكن أن يكون هناك تناسب بين البلاء والبلى، فكأنّ الإنسان الذي يقع عليه البلاء يبلى جسمه، وقد تبلى نفسه أيضاً إن لم يصبر، ومن ثمّ فإنّ ضغط البلاء يجعله خلِقاً بالياً، فكما أنّ الثوب إذا استعمل باستمرار بلي، كذلك الإنسان الذي يعرّض للبلاء يبلى، إلاّ إذا كان مستعيناً بالله تعالى، فكثرة الضغط لا تثنيه ولا تبليه بل تزيده صلابة وقوّة، تماماً كالذهب كلّما تعرّض للنار إزداد جلاءً، بينما غيره يسودّ.
وهكذا هو حال الانسان إذا تعرّض للبلاء يُكشف عن معدنه، فإن كان غير مؤمن بالله بلى، وإن كان مؤمناً زاد إشراقاً.


الكسل عن العبادة
إنّ من مصاديق الكسل كثرة النوم والقعود عن أداء الواجبات في العبادة ـ بالمعنى الخاصّ والعامّ ـ وسيطرة حالة الاتكالية التي من لوازمها انعدام الطموح، والرغبة عن التقدم والانطلاق لما أعدّ الله تعالى من نعيم الآخرة لعباده الصالحين.
ومع أنّ الله تعالى يقول في محكم تنزيله: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُون»(3) بمعنى أنّ الهدف من خلق الإنسان هو أن يعبد الله سبحانه، إلا أنّ أغلب الناس يكسلون عن أداء حقّ العبادة التي خلقوا لأجلها، فترى كثيراً منهم نشطاً في سائر مجالات حياته، ولكن ما إن يصل وقت العبادة حتى يغلب عليه الكسل والنعاس وكأنّه لم ينم منذ ساعات كثيرة، وإذا شرع بالعبادة لا يفكّر إلا في سرعة إتمامها والتفرّغ منها لينشغل بأمور أخرى، فتكون بذلك عنده أقلّ حظّاً من كلّ اهتماماته. والأمرّ من ذلك أنّه حتى هذا المقدار القليل من الوقت الذي يخصّصه للعبادة ينشغل خلالها بالتفكير في أموره الدنيوية.
روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: أما أنّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه(4).
وأكثر الناس مبتلى بهذه الحالة. ولذلك فإنّ الإمام السجّاد سلام الله عليه يلفت أنظارنا في هذا الدعاء إلى هذه المسألة لكي نستعين بالله تعالى في التخلّص منها.
أليس من العجب أن يفكّر الإنسان في الأيّام الباقية من عمره القصير، ولا يفكّر في مستقبله الحقيقي الذي ينتظره في الآخرة.


الاقتداء برسول الله في الاهتمام بالعبادة
إنّ الله تعالى عندما يخاطب نبيّه الكريم في مجال طلب العلم يقول له: «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»(5)؛ فحتى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بحاجة إلى الاستزادة في العلم، مع أنّه أعلم خلق الله تعالى، ولكن عندما يصل الدور إلى الخُلق الرفيع نراه تعالى يخاطبه بالقول: «وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ»(6). مما يدلّل على أنّ النبي صلى الله عليه وآله قد بلغ القمّة في الخُلق، حتى روي أنّه ما صافح النبي صلى الله عليه وآله رجلاً قط فنزع يده حتى يكون هو الذي ينزع يده منه(7).
وكذلك صلى الله عليه وآله قمّة في الخلق مع الناس، في كلّ الحالات ومع كلّ الاشخاص، يستوي عنده الفقير والغنيّ والشيخ والشابّ والرجل والمرأة والرئيس والمرؤوس، ولم يكن عنده استثناء إلا في حالة واحدة فقط ـ ولم يُعرف له استثناء غيرها ـ وهي حالة العبادة، فقد روى عنه أصحابه قالوا: «إذا حضرت الصلاة فكأنّه لم يعرفنا ولم نعرفه شغلاً بالله عن كلّ شيء»(8).
فأين نحن من عبادة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فحريّ بنا أن نقتدي به؛ قال سبحانه وتعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»(9).


الاستعداد للبلاء
الإنسان عموماً عرضة للبلاء والامتحان، سواء كان في المال أو الجمال أو العلم أو القوّة أو أضدادها؛ لذا ينبغي لكل فرد أن لا يغيب عن ذهنه أمران:
الأوّل: ليعلم أنّ البلاء كما يكون في الشرّ كذلك يكون في الخير؛ قال تعالى: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتنَةً»(10). ولا يغرنّه تقلّب الفاسقين فيما يحوزونه من الثروات والأموال وغير ذلك من مباهج الحياة الدنيا.
فلو تذكّر قوله تعالى: «وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ مَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ»(11) لاستكان وما راعه الأمر بتاتاً. ثمّ ليعلم أنّ الخير ليس في كثرة الأموال والأولاد بالضرورة، بل الخير في كثرة العلم والحلم والقرب من الله تعالى.
الثاني: أن يعلم أنّه لا بديل من الامتحان والبلاء لإثبات الجدارة واستحقاق مزيد الأجر والثواب، وإلا كيف يتسنّى معرفة الفرد فيما يدّعيه من الإيمان والعبوديّة والإخلاص وهو لم يُختبر بعد؛ قال تعالى: «أَحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ»(12).
لا ينبغي للإنسان التوقّع بأن يكون بمأمن من الامتحان، ولكن ليرجو ألاّ يكون عرضة لمضلاّته؛ ولذا روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: لا يقولنّ أحدكم اللهمّ إني أعوذ بك من الفتنة؛ لأنّه ليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن(13).


العمى عن سبيل الله
ههنا كلمتان لا بأس بالوقوف عندهما، هما: سبيل الله، والعمى.
أمّا سبيل الله فهو ليس إلاّ الوسيلة التي تقرّب العبد إلى الله تعالى من أداء الواجبات والورع عن المحرّمات، والحثّ على تعلّمها وتعليمها قولاً وعملاً. ويُبيّنه القرآن الكريم وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام.
وأمّا العمى فلاشكّ أنّ المقصود به عمى البصيرة وليس البصر، وكما أنّ الإنسان قد يصاب بعمى البصر، فيسقط هنا ويتعثّر هناك، ولمعذوريته لا يعاب عليه، ولكن العيب، كلّ العيب فيمن له عينان ويرى بهما ومع ذلك يتعمّد إغماضهما فيصطدم ويهوي، فمن يعيش حياته قاصراً في بصيرته، لا يدرك طيلة حياته سوى ما يحيط به، فمثل هذا لا يؤاخذ إلا بما سمح به عقله؛ لقاعدة «قبح العقاب بلا بيان» فهو يحاسب بمستوى ما أدركه عقله، خلافاً لمن يعيش طيلة حياته مقصّراً لايسعى لإنماء بصيرته وإحيائها بالعلوم والمعارف. فالطامّة الكبرى؛ أن يكون للفرد عقل ومرشد خارجي يهديانه سواء السبيل ولكنّه يعرض عنهما فيتعمّد سلوك طريق الغيّ والضلال، فهذا يكون قد أعمى بصيرته عن عَمد وإصرار، ولذلك سيحاسب حساباً عسيراً.


أهل البيت سلام الله عليهم هم سبيل الله تعالى
ولما كان أهل البيت سلام الله عليهم هم الحبل الذي أمرنا الله تعالى بالتمسّك به(14) وهم سبيل الله(15) وبابه الذي منه يؤتى. كان اللازم درك هذا المعنى وهو أنّ القرب منهم بحاجة إلى السنخية اللازمة بين التابع والمتبوع، وبين القائد والمقود.
لاشكّ أنّ رؤية الناس للأئمّة سلام الله عليهم في أزمنتهم كانت سبباً لسهولة الاغتراف من سلسبيل معينهم، لكن الأمر اختلف كلَّ الاختلاف في زمن الغيبة الكبرى، فصار من يريد رؤية الإمام المهدي سلام الله عليه بحاجة إلى مزيد من البصيرة والوعي ما يرفع من التزامه الديني والأخلاقي(16).
إنّ المطلوب من الفرد في علاقه ومحبّته لإمام العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف أن يسعى لإيجاد السنخية بين طبيعته الأخلاقية وسلوكه اليومي وبين رغبة الإمام، ليرتقي إلى مستوى مشايعته حقّ المشايعة.


(1) انظر لسان العرب لابن منظور: 14/ 85 (مادّة بلا).
(2) الأنبياء: 35.
(3) الذاريات: 56.
(4) مستدرك الوسائل: 5/ 417، ح3، باب كراهة العبث في الصلاة.
(5) طه: 114.
(6) القلم: 4.
(7) الكافي: 2/ 181 ح15.
(8) عوالي اللآلي: 1/ 324 ح61.
(9) الأحزاب: 21.
(10) الأنبياء: 35.
(11) آل عمران: 178.
(12) العنكبوت: 2.
(13) نهج البلاغة: 4/ 20 رقم 93.
(14) روي عن أبي حفص الصائغ أنّه سمع الامام الصادق سلام الله عليه يقول في قوله تعالى: «)واعتصموا بحبل الله جميعاً(» آل عمران: 103، قال: نحن الحبل. عنه مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب: 2/ 273.
(15) روي عن الامام الباقر سلام الله عليه في قوله تعالى: «)وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله(» قال: نحن السبيل فمن أبى فهذه السبل فقد كفر. تفسير القمّي: 1/ 221 تفسير الآية 153 من سورة الانعام.
(16) ولطالما عرفنا من يذهب نفسه بكاءً وتضرّعاً دون أن يتشرّف بلقاء الإمام سلام الله عليه، بينما سمعنا كثيراً عن أشخاص نالوا شرف الرؤية، بل وزيارته لهم بشخصه الكريم والتحدّث معهم طويلاً ولمرّات عديدة، دون أن يخوضوا أعمالاً عبادته خاصّة، ولم يكن ليحدث ذلك لولا وجود السنخية بين أنفسهم وبين شخص الإمام وطبيعة لقائه والتشرف برؤيته، واكتساب شحنات الإيمان من فيضه.