» عدم التعرض لخلاف محبة الله

(ولا بالتعرّض لخلاف محبّتك)
هذه الفقرة من الدعاء ـ هي الأخرى ـ تحمل مطالب كثيرة بحاجة إلى التعمّق والتدبّر، ومن تلك المطالب الاستعارة للحروف وبما ينسجم مع المقصد, حيث إنّ للحروف في العربية معاني ومداليل خاصّة, وإنّ استخدامه صلوات الله وسلامه عليه للكلمات والحروف هو في غاية الحكمة بما يترتّب عليه من بلاغة, وهذا هو ديدن أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين مع الناس, فما بالك حين يتحدّثون مع الربّ العظيم.
قال: ولا بالتعرّض لخلاف محبّتك.
ولم يقل: للتعرّض لخلاف ـ باستخدام اللام في الكلمتين ـ .
أو: بالتعرّض بالخلاف أو بخلاف ـ باستخدام الباء في الكلمتين ـ .
كما لم يقل: للتعرّض بخلاف ـ باستبدال موقع الباء واللام في الكلمتين ـ .
فلكلّ من حرفي الجر (الباء واللام) في موقعه خصوصيّته في مقصوده سلام الله عليه. ولو جاء الاستخدام بأيّ من الموارد الأخرى التي عرضناها آنفاً لكان نقصاً بلاغياً ومعنوياً واضحاً, ولكنّه سلام الله عليه استخدم باء التعدية واللام على أروع ما يكون الاستخدام.
إنّ أمامنا مفردات ثلاث ارتكز عليها متن هذه الجملة من الدعاء, هي: التعرّض والخلاف والمحبّة، نذكر معانيها على نحو الإجمال:


في معنى التعرض
التعرّض هو التصدّي للأمر وطلبه, كما جاء في الدعاء المرويّ عن الإمام الصادق سلام الله عليه: «إلهي، تعرّض لك في هذا الليل المتعرّضون»(1), أي أن من كانت له حاجة أخذ في التضرّع والدعاء طلباً للرحمة الإلهية والعناية الربانية.
والتعرّض يختلف معنىً حسب متعلّقه, فقد جاء في بعض الأدعية أيضاً: «وتنجيني من تعرّض السلاطين»(2) أي أسألك اللهم أن تجعلني بعيداً عن تصدّيهم وطلبهم لي, فأكون في منأىً عن خطرهم؛ فإنّ السلاطين عادةً يفتكون بمن يشكّون بولائه لهم فكيف بمن يعلن عداءه لهم، على العكس من الأنبياء والأولياء حيث لا يرى منهم إلا الكفّ والإحسان, وإن كان قد أُسيء إليهم, لأنّ من شيمتهم العفو والكرم.
والشواهد على ذلك كثيرة, منها ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله مع الرجل الذي أراد الفتك به صلى الله عليه وآله حينما مكّن الله تعالى رسوله منه وعفا عنه(3).
وكذلك حينما عفا النبي صلى الله عليه وآله عن عتاة قريش الذين آذوه وحاربوه طيلة أكثر من عشرين سنة.
وكذلك فعل أمير المؤمنين سلام الله عليه حينما عفا عن الجماعة من أصحاب الجمل، حينما فرّوا واختبأوا في دار عبدالله بن خلف بمعية عائشة بعد أن مكّنه الله عزّ وجلّ منهم وهزم جيشهم(4).


في معنى الخلاف
لم يستخدم الإمام كلمة (ضدّ) أو (نقيض) بل استخدم كلمة «خلاف» باعتبار أنّ من الجدير بالعبد أن يطلب من الله تعالى أن يجنّبه مطلق ما من شأنه أن يعرّضه لسخطه وبغضه.
فالضدّ أمرٌ وجوديّ كالسّواد ضدّه البياض، ولا يجتمعان، لكن قد يرتفعان فيما كان لهما ثالث ـ لا كالليل والنهار اللذين لا ثالث لهما ـ فيكون الشيء لا أسود ولا أبيض بل لون آخر، والنقيض أمرٌ عدميّ كالحركة وعدم الحركة، والنقيضان لا يجتمعان أبداً، ولا يرتفعان أبداً، وأمّا الخلاف فهو أمرٌ وجودي كالحلاوة، خلاف البياض، لكن يجتمع معه.
إنّ الإمام لا يطلب من الله تبارك وتعالى أن لا يبتليه بضد محبّته فحسب, أي ببغضه ـ والعياذ بالله ـ ولا بنقيضها أي بعدم المحبّة, بل يطلب منه تعالى أن لا يبتليه حتى بخلاف محبّته أي بما قد يجتمع مع كرهه أو بغضه؛ وذلك لكي يحرز محبّة الله الكاملة والشاملة, وأن لا يصدر عنه ما يكون مخالفاً لتلك المحبّة بأيّ حال من الأحوال.
في إحدى زيارات الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه نلاحظ أنّ الإمام الصادق سلام الله عليه ـ الذي تروى عنه الزيارة ـ بعد أن يسلّم على الإمام يتوجّه باللعن على أعدائه, ولكن نلاحظ اختلافاً في صيغة اللعن, فهو سلام الله عليه عندما يخاطبه يقول: لعن الله من خالفك(5)، وهذا يكشف عن نقطة في غاية الأهمية وهي أنّ الذي يخالف الإمام المعصوم يستحقّ اللعن, أمّا غير المعصوم فلا، مهما علت منزلته وعظمت مكانته؛ وما ذلك إلا لأنّ المعصوم لا يخالف إرادة الله ومحبّته أبداً, ومن ثمّ فإنّ مخالفة المعصوم تعدّ مخالفة لله تعالى. ولذلك عندما نخاطب غير المعصوم كعليّ الأكبر عليه السلام نقول: لعن الله من قتلك(6)، ولكن لا نقول: لعن الله من خالفك.
فالإمام هنا يطلب من الله أن لا يبتليه بالتعرّض لمخالفته.
إنّ في كلمات المعصومين سلام الله عليهم نكات دقيقة بحاجة إلى التدبّر من أجل الوصول إلى بعض أسرارها التي لا يدركها كلّها إلا من كان قريباً منهم وعلى نهجهم.


في معنى حبّ الله تعالى
ثمّ إنّ الإمام لم يقل: لا تبتليني بالتعرّض لخلافك, بل قال: لخلاف محبّتك. وهذا يكشف عن مستوى أرفع في الأدب وأصدق في العبودية للربّ الجليل؛ فإنّه يمكننا أن نتصوّر شخصاً ما يكنّ المحبّة لشخص آخر ويعمل على أن لا يخالفه في كلّ ما يطلبه منه, ولكن ليس بالضرورة أن يتطابق معه في كلّ ما يحبّ, أمّا الإمام سلام الله عليه فإنّه يطلب من الله أن يجنّبه من الابتلاء حتى بالتعرّض لخلاف ما يُحبّه تعالى.
ومن الواضح أنّ ما يحبّه الله تعالى من عبده هو الامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه, وبعبارة: القيام بالواجبات الشرعية واجتناب المحرّمات الشرعية, ويعضدهما بالسعي لأداء المستحبّات وترك المكروهات أيضاً, شريطة أن لا تؤثّر على العمل بالواجبات وترك المحرّمات, فإنّه لا قربة بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض(7).
فكما أنّك إذا كنت عازماً على مرافقة شخصٍ ـ تجلّه وتريد كسب ودّه ـ في سفرٍ أو غيره, ولم تكن تعرف ما يحبّ وما يكره, فلا شكّ أنك ستسأل العارفين والمطّلعين على ميوله, ثمّ تعمد إلى متابعته بكلّ حيطة وحذر لئلاّ يصدر عنك تجاهه ما لا يحبّ، فتتعرّض لخلاف محبّته.
فكذلك لابدّ من معرفة الأمور التي يحبّها الله تعالى لكي يُؤتى بها، والأمور التي يكرهها لكي تُتجنّب فلا يُتعرّض لخلاف محبّته, والطريق لهذه المعرفة ينحصر بالقرآن الكريم والنبيّ صلى الله عليه وآله وعترته الطاهرة, فلقد أوضح لنا رسول الله صلى الله عليه وآله الطريق عندما قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي»(8).
فالآيات القرآنية والأحاديث والروايات الشريفة قد جمعت كلّ المعارف الإلهية والأحكام الشرعية الكفيلة بقيادة الإنسان إلى طريق المحبة الإلهية والنأي عن طريق السخط والمقت الإلهي.


ثلاثة مقترحات في شهر رمضان المبارك
لعلّ من الفرص الجيّدة للسعي نحو بناء النفس كي تبغي المحبّة الإلهية, هو شهر رمضان المبارك الذي أعدّه الله تعالى لابن آدم كي يعيد فيه حساباته مع نفسه والآخرين.
وهو الشهر الذي بشّر به رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمين كافّة في قوله: «قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة»(9).
ففي هذا الشهر الكريم تكبّل الشياطين؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فإنّ الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهرالعظيم(10).
ولكي نضمن كون مسيرتنا على طريق المحبّة الإلهية ونستفيد من فيوضات شهر الله, شهر الطاعة والغفران شهر رمضان الكريم أقترح عليكم، ثلاثة أمور:
1. محاسبة النفس في كلّ يوم من هذا الشهر, ليعرف الفرد ما له و ما عليه, وما ينبغي له أن يستمرّ به من سلوك أو يتركه, وليمرّن وجدانه على أن يكون حكماً منصفاً وقاضياً عادلاً على ما يصدر عنه خلال اليوم والليلة, مستغفراً عن السيئات, وشاكراً لله وطالباً منه الاستزادة في الحسنات.
2. المواظبة على قراءة خطبة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله الخاصّة بشهر رمضان بتأمّل وتدبّر, لتعرف الغاية التي يقصدها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله من كلّ كلمة من كلماتها.
3. محاولة الالتزام بجميع بنود الخطبة ولو لمرّة واحدة خلال شهر رمضان المبارك.
فمن لم يكن عاملاً بهذه الأمور الثلاثة فليعقد العزم من الآن على العمل بها, ومن كان عاملاً بها فليسع للمزيد؛ قال تعالى: «)وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى»(11).
وإذا كانت بعض بنود الخطبة خارجة عن تكليفنا فليس شرطاً أن يكون الالتزام بها حرفياً, بل لنتأسَّ بها في موارد مشابهة, مثلاً: التعامل مع ملك اليمين, فإذا كان النبي صلّى الله عليه وآله يأمرنا في هذه الخطبة الشريفة بأن نحسن إليهم, وليس منا من يملك عبداً أو أمة في هذا العصر, فهذا لا يعني عدم الالتزام بهذه الفقرة من الخطبة بل يمكن تطبيقها في موارد الذين أمرهم بأيدينا كالزوجة والأولاد والتلاميذ والأجراء و... .


المعرفة شرط
لاشك أنّ معرفة الأحكام الشرعية, لاسيما الواجبات والمحرّمات, والالتزام بحدودها, تجنّب الفرد الخسارة الكبرى في الآخرة, ولابدّ من أن تكون المعرفة صحيحة ولا يكفي مجرد تصوّر كونها كذلك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنبِئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾(12).
ولاشكّ أنّ مثل هؤلاء ربما كانوا يصلّون ويصومون ويحجّون ويزكّون ويقاتلون ويُقتلون ويعانون ويعذَّبون؛ ظنّاً منهم أنّهم إنّما يفعلون ذلك على طريق محبّة الله تعالى، حتّى ينكشف لهم يوم القيامة الخلاف؛ لعدم إقرانهم ذلك بما أمروا به من مودّة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم فافتقدوا بذلك أهمّ ركيزة في الوصول إلى الله تعالى، قال أمير المؤمنين سلام الله عليه: إنّ لـ (لا إله إلا الله) شروطاً، وإنّي وذرّيتي من شروطها(13). فبذلك يساق هؤلاء إلى جهنّم مع أولئك الذين ربّما لم يصلّوا أو يصوماً حتى يوماً واحداً من حياتهم؛ فيجدون أنفسهم قرناء مع أناس لم يحرموا أنفسهم شيئاً من ملاذّ الدنيا وعاشوا عيشة المعرضين عن العبادة, وهذا الأمر يضاعف منهم الإحساس بالندم والحسرة, وهذا ما يعكسه التعبير القرآني الذي استعمل أقوى صيغ التفضيل (وهو أفعل التفضيل المعرّف بالألف واللام)(14) فقال: الأخسرين.
وما أكثر الأمثلة على الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً, فمن الأمثلة التاريخية البارزة على ذلك الخوارج الذين خرجوا على الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه وكانوا يسعون لقتله، زاعمين التقرّب بذلك إلى الله تعالى.
فيا له من ضلال ما بعده ضلال، يقتلون من حبّه ايمان وبغضه كفر بنصّ رسول الله صلى الله عليه وآله(15) بنيّة التقرّب إلى الله تعالى.
إذاً, ما لم يتعلّم الإنسان فرائض الله تعالى من خلال المصادر التي أشار إليها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: القرآن وعترته, فإنّه سيتعرّض لخلاف محبّة الله تعالى؟ وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾(16). واتّباع النبي صلى الله عليه وآله يعني اتّباع ما أمر الله تعالى، لأنّه صلى الله عليه وآله عالم به عن طريق الوحي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾(17).


الحسبان نوعان
ثمّ إنّ ههنا ملاحظة جديرة بالالتفات، وهي أنّ العبد إذا قام بالفعل وكان يحسبه حسناً، أو امتنع عن أداء فعل وكان يحسبه سيّئاً، ثمّ بان له العكس لكلا الحسبانين, فكيف سيحاسبه الله تعالى على ذلك؟
والجواب: إنّ الجهل قد يكون عن قصور, وقد يكون عن تقصير. ففي الحالة الأولى لا يعاقب الله تعالى الإنسان على ما بدر منه بسبب جهله للأمر وقصوره عن إدراك الواقع, أمّا في الحالة الثانية أي إذا كان جهل الإنسان ناتجاً عن تقصيره, فإنّه سيكون مستحقّاً للعقوبة.
فابن ملجم مثلاً لم يصل إلى هذه الدركة الدنيئة دفعة واحدة, إلاّ بعد أن سقط بحسبانه أنّه يعمل حُسناً حتى صار يعتقد أنّ قتل إمام الحقّ، حقٌ بل واجبٌ عليه، فحقّ عليه قوله تعالى: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا أعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ»(18).


العلم وحده لا يكفي
كما أنّ العمل من دون علم يوقع صاحبه ويرديه كما في قوله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ»(19) فكذلك لاينفع الإنسان العلم من دون العمل؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُون﴾(20).
ثمّ إنّ العلم يعتبر سلاحاً ذا حدّين أي يمكن استخدامه في الخير وفي الشرّ على السواء، ما لم يستند إلى الورع؛ قال تعالى: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾(21). وقال تعالى: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأنْتُمْ تَعْلَمُون﴾(22).
ولو كان العلم وحده مجدياً لكان الشيطان الرجيم أرفع مستوى وأكثر فضيلة من جميع المكلّفين من الجنّ والإنس, لأنّه ـ بلاشكّ ـ على اطلاع دقيق بكلّ الواجبات والمحرّمات الإلهية, ولله در الشاعر حين قال:
لو كان للعلم من غير التقى شرفٌ لكان أشرفَ خلق الله إبليس
إذاً لابدّ للعلم من سلوك يصدّقه, ليؤتي أكله وينهض بصاحبه, فيكون ما تعلّمه علماً نافعاً حقّاً.


زكاة العلم تعليمه (23)
هذا ولا ينبغي للمرء أن يؤطّر طموحه وكدحه بإطار العلم والعمل فحسب, بل ينبغي أن يحلّق إلى أسمى الغايات وأشرفها من خلال تزكية علمه، فيبادر إلى تعليمه للآخرين ويبيّن لهم ما ينبغي لهم القيام به من واجبات, وما ينبغي لهم الانتهاء عنه من المحرّمات, فيشركهم في علمه, ليحقّق خصلة أخلاقية فاضلة كريمة وهي حبّه للعلم ونشره بين الناس, وقد ورد في الرواية الشريفة: «إنّ الله لم يأخذ على الجهّال عهداً بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم للجهال»(24) لكي تتمّ الحجة على الناس جميعاً.
إذاً فقد اتّضحت أركان محبّة الله تعالى علماً وعملاً وتعليماً؛ وإذا اقترنت هذه المفردات بمحاسبة النفس ومراقبتها الدائمة، يكون المرء حينئذ قد قطع الطريق على الشيطان واتّجه بنفسه ليزداد قرباً نحو المحبّة الإلهية.


(1) انظر مصباح المتهجد: 152 رقم 37 ـ نافلة الليل ـ .
(2) البلد الأمين: 143، أدعية الساعات للأئمة الاثني عشر سلام الله عليهم.
(3) نزل رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة على شفير واد, فأقبل سيل فحال بيينه و بين أصحابه... فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمداً؛ فجاء وشدّ على رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف، ثمّ قال: من ينجيك منّي يا محمد؟ فقال: ربّي وربّك. فنسفه جبرئيل عليه السلام عن فرسه. فسقط على ظهره. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذ السيف وجلس على صدره, وقال: من ينجيك منّي يا غورث؟ فقال: جودك وكرمك يا محمد. فتركه، فقام وهو يقول: والله لأنت خير منّي واكرم. الكافي: 8/ 127 ح97.
(4) راجع تاريخ الطبري: 3/ 543, وغيره من كتب السير والتواريخ.
(5) انظر فرحة الغريّ: 82 زيارة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
(6) من لا يحضره الفقيه: 2/ 596، زيارة عليّ بن الحسين عليهما السلام المقتول بكربلاء.
(7) وسائل الشيعة: 4/ 286، ح7، باب 61ـ جواز التطوّع بالنافلة أداءً وقضاءً لمن عليه فريضة، واستحباب الابتداء بالفريضة.
(8) وسائل الشيعة: 18/ 19، ح9. هذا الحديث متواتر يرويه العامّة والخاصّة.
(9) فضائل الأشهر الثلاثة: 77، ح61.
(10) المصدر السابق: 77، ح61.
(11) مريم: 76.
(12) الكهف: 103 ـ 104.
(13) ينابيع المودّة: 1/ 89 ، رقم 35.
(14) فإنّ أفعل التفضيل له ثلاث صيغ: الأولى الإضافة، والثانية مع (من) والثالثة مع (أل) وهي أقواها لأنّها مطلقة فيما تكون في الحالتين الأخريين مقيّدة بمتعلّق الإضافة أو (مِن).
(15) روى الطبراني بإسناده عن عمران بن الحصين، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: لا يحبّك الا مؤمن، ولا يبغضك الا منافق. الاوسط: 2/ 337. ورى مسلم بسنده عن زِر قال: قال علي عليه السلام: والذي فلق الحبّة ويرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأمّي صلى الله عليه وآله إليّ أن لا يحبّني الا مؤمن، ولا يبغضني إلاّ منافق. صحيح مسلم: 1/ 61، الى غير ذلك من مصادر العامّة والخاصّة.
(16) آل عمران: 31.
(17) النجم: 3 ـ 4.
(18) النور: 39.
(19) الحج: 3.
(20) الصف: 2 ـ 3.
(21) فاطر: 28.
(22) آل عمران: 71.
(23) استعارة من قول النبي صلى الله عليه وآله: زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه. عدّة الداعي: 63.
(24) الكافي: 1/ 41 ح1 باب بذل العلم.