اللهُمَّ اجْعَلْني أصُولُ بكَ عِِنْدَ الضَّرُورَةِِ، وَأسْألكَ عِنْدَ الحاجَةِ، وَأتـَضَرَّعُ إلَيْكَ عِنْدَ المَسْكَنَةِ، وَلاَ تـَفْتِنيّ بِالاِسْتِعَانةِ بغَيرِكَ إذَا اضْطَرَرْتُ، وَلاَ بِالخُضُوعِ لِسُؤالِ غَيرِكَ إذَا افْتَقَرْتُ، وَلاَ بالتَّضَرُّعِ إلى مَنْ دُونكَ إذا رَهِبْتُ، فَأسْتَحِقَّ بذَلِكَ خِذْلانكَ وَمَنْعَكَ وَإعْراضَكَ يا أرْحَمَ الرَّاحمِينَ.

» الصولة بالله، والسؤال من الله، والتضرّع إليه

يطلب الإمام سلام الله عليه في الجملة الأولى من هذا المقطع من دعائه أن يوفّقه الله تعالى لثلاثة أمور وهي:
أن تكون صولته به عند الضرورة، وسؤاله إيّاه عند الحاجة، وتضرّعه إليه عند المسكنة، أي: يا ربّ، عندما أكون مضطرّاً فلتكن صولتي بك لا بغيرك، وعندما أكون محتاجاً فليكن سؤالي موجّهاً لك لا لسواك، وعندما تواجهني مسكنة يكون تضرّعي إليك دون خلقك.


1. الصولة بالله تعالى
ونبدأ بالوقوف على الطلب الأوّل وهو الصولة عند الضرورة. فالضرورة هي التي يكون الإنسان فيها في منتهى الحاجة والشدّة والضيق، فليس كلّ سوء يكون ضرورة للمبتلى ليتخلّص منه، ولا تستعمل كلمة الضرورة إلا حينما يشعر المرء بأنّه قد بلغ منتهاه في الحاجة والشدّة والضيق، ولذلك فالإنسان في حال الإضطرار يكون في منتهى ضعفه.
أمّا الصولة فهي تعبير عن أوج القدرة والتمكّن لدى الإنسان تجاه ما يواجهه؛ لذلك فإنّ ورود لفظ الصولة في الكلام ينقل أذهاننا إلى تصوّر الحرب والقتال، لاسيّما عندما يبلغ المقاتل ذروة القوّة والغلبة والتوفّر على مقوّمات السيطرة في تسيير مجريات القتال ضد عدوّه الذي لا يسعفه الصمود تجاهه ولا يكون أمام ذاك العدوّ سوى الهزيمة الساحقة، ففي مثل هذه الحالة يكون الطرف الأوّل صائلاً على الطرف الثاني(1).
والإمام يعلّم الإنسان المؤمن في هذه الجملة من الدعاء أن يطمح إلى السمو بمستواه فيسأل ربّه الكبير ليس فقط أن يخلّصه من الوضع الاضطراري الهالك الذي يعيش فيه، بل يتفضّل عليه بأن يبدله غاية القوّة فيصول بقدرته سبحانه وتعالى. وما دام المؤمن يعلم بأنّ الله معه، فلم لا يصمّم على الاستعانة به ليصول بقدرته تعالى وينزل الهزيمة الساحقة بما يواجهه من اضطرار.
أمّا قوله سلام الله عليه «بِكَ» فمعناه أنّ على المؤمن أن يعلم عند الاضطرار وتلاطم أمواج البلاء وهجومها عليه، أن الله جلّ جلاله هو الجهة الوحيدة التي يجب أن يركن إليها لخلاصه، لأنّه تعالى إله كلّ شيء والقادر على كلّ شيء، وهو الذي لا تداني قوّته قوّة.


النموذج العملي للصولة
ومن المثال على الصولة عند الضرورة ما تجسّد في سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، حينما لقي ما لقيه من المشركين قبل الهجرة وبعدها حتى قال: «ما أوذي نبي مثلما أوذيت»(2) ولكنّ صولته بالله تعالى عند الضرورات واشتداد الخطب كانت تهوّن عليه الأمر.
فلقد هاجم المشركون نبيّ الله صلى الله عليه وآله من مختلف الجوانب، تارة بالترهيب عبر كيل الأذى وشنّهم الحروب عليه، وأخرى بالترغيب حين اقترحوا عليه أن يعطوه المال الوفير حتى يكون الأغنى من بينهم، أو يزوّجوه الأجمل من نسائهم، بل بلغ بهم الحدّ أن عرضوا عليه أن يترأس عليهم، كلّ ذلك مقابل أن يتنازل عمّا يدعو إليه من أمر التوحيد والنبوّة، فلا يسفّه أحلامهم ولا ينكر عليهم ما تشبّثوا من عبادة آبائهم وأجدادهم من قبل، بل وصل بهم الأمر أن اقترحوا عليه ـ بعد أن علموا إصراره ـ أن يعبدوا ربّه يوماً ويعبد آلهتهم يوماً آخر.
ثمّ لمّا يئسوا عن تركه لأداء مهمّته الرسالية، عرضوا عليه أن يزيل ما يحيط بمكّة من جبال لتكثر الطرق المؤدّية إليها، وأن يُجري لهم الأنهار فلا يعتمدوا على الآبار المالحة، ثمّ تحدّوه ـ خطلاً منهم ـ أن يحيي آباءهم وأجدادهم.
ولكنّه صلّى الله عليه وآله قاوم كلّ صور الترهيب والترغيب، فصبر على ما ألحقوا به من الأذى، وردّ كلّ عروضهم وإغراءاتهم، كما رفض أن يأتيهم بأيّ من المعاجز التي اقترحوها عليه لعلمه بأنّهم لا يبحثون في حقيقة أمرهم عن دليل أو حجّة، فلطالما جرت على يديه صلّى الله عليه وآله المعاجز مراراً وتكراراً أمام أعينهم(3)، بل هم قد أيقنوا بنبوّته ولكنّهم جحدوها كبراً وحسداً وظلماً.
فصال صلى الله عليه وآله بالله عزّ وجلّ، رافضاً كلّ إغراءاتهم فضلاً عن إرهابهم، وتحزّباتهم ضدّه، قائلاً لهم بمحضر عمّه أبي طالب عليه السلام: «يا عمّ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته»(4).
فأفحمهم صلى الله عليه وآله بموقفه النابع أساساً من الاعتماد على الله تعالى والصولة به.
وهكذا كان أمير المؤمنين سلام الله عليه، الذي لاقى الأمرّين لاسيّما بعد شهادة أخيه المصطفى صلى الله عليه وآله، إلى أن استشهد هو أيضاً مظلوماً مهضوماً.
ورغم ذلك لم يهن ولم ينكل ولم تبد عليه أمارات الضعف أو الذلّة والخوف، بل استقام متوكّلاً على الله تعالى صائلاً به.
وكذلك الإمام الحسين علييه السلام حين استفرد به العدوّ بعد استشهاد جميع أصحابه وأهل بيته، إذ وُصف بأنّه كان رابط الجأش نيّر الوجه، على ما كان به من قتل ولده وأهل بيته وأصحابه، وكأنّه ينتظر بشوق كثير لحظة العروج إلى الرب الجليل ومغادرة هذه الدنيا الدّنية. فلم تظهر عليه أدنى علامات الذلّ والجبن أو الارتباك والانكسار، حاشاه، بل كانت الرجال لتشدّ عليه، فيشدّ عليها بسيفه، فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها السبع فينهزمون بين يديه كأنّهم جراد منتشر ـ كما تقول الروايات(5) ـ لأنّه عليه السلام كان يصول بالله تعالى على أعدائه.
فكان صلوات الله وسلامه عليه، بالرغم مما تعرّض إليه من مصائب يقول: «هوَّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله»(6) مع أنه كان يملك من العواطف ما يملكها غيره، بل أكثر وأنقى، فلم يكن سلام الله عليه قاسياً، حاشاه، بل كان يتألّم كثيراً على ما ينزل من المصاب على أهل بيته وأصحابه، ولكنّ صولته بالله تعالى هي التي جعلته كما وصفوه رابط الجأش مشرق الوجه، شجاع القلب، صابراً، لا تهدّه المصائب؛ فسلام على جدّه وأبيه وأمّه وأخيه، وسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً فيشفع لمحبّيه جعلنا الله منهم إن شاء الله تعالى.


الدعاء وحده لا يكفي
حقيقةً هذه الدرجات رفيعة جدّاً، وإذا أردنا أن نرتقيها شيئاً فشيئاً، فلنقتف أثر من نتشرف بكونهم أئمّتنا وقادتنا، ولا ريب أنّ عملية الرقيّ لا تتحقّق بالدعاء وحده، بل هي بحاجة إلى عزم وإصرار في السعي والاستقامة. وبهذا الصدد نقل الإمام الصادق عن آبائه سلام الله عليهم أنه:
«مرّ موسى عليه السلام برجل رافع يده يدعو، فغاب في حاجته سبعة أيّام ثمّ رجع إليه وهو رافع يده، فقال: يا ربّ، هذا عبدك رافع يديه إليك يسألك حاجة، ويسألك المغفرة منذ سبعة أيّام، لا تستجيب له، قال: فأوحى الله إليه: يا موسى، لو دعاني حتى تسقط يداه أو تنقطع يداه أو ينقطع لسانه لم أستجب له حتى يأتيني من الباب الذي أمرته»(7).
وهذا يدلّ على أنّ استجابة الدعاء لا تتحقّق ما لم يأتِ العبد من حيث أمره ربُّه، لا من حيث يريده هو ويرتئيه. ومن جملة أوامره سبحانه وتعالى أنّه قد خلق الأسباب وهدى للسير وفقها والالتزام بها، فلا يصحّ أن يحجم المريض عن مراجعة الطبيب مثلاً، أو يكسل القويّ عن الكسب وطلب الرزق ويكتفي كلّ منهما بالدعاء. فهناك الكثير من الآيات والروايات التي حثّت على السعي، وعدم الاكتفاء بالدعاء، ومنها ما يحدّد نوع العمل الذي ينبغي أن يُعمل، فـ : الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر(8).
كما أنّ هناك من الأسباب ما يتعلق بتربية النفس وتزكيتها مقدّمة لإستجابة الدعاء؛ فلا يمكن وصول الطالب إلى مرحلة الاجتهاد من دون دراسة، ولا ينبغي له انتظار حدوث المعجزة.
والتزكية وحدها لا توفّر رغيف الخبز، ولا تيسّر الزّواج، كما الدعاء وحده لا يكفي، إنّما الله تعالى يحبّ من عبده أن يكون ـ إلى جنب ذلك ـ ساعياً ومتوكّلاً عليه، ليكرمه بأياديه.
فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله ـ وهو أحبّ الخلق إلى الله تعالى ـ لم يكتفِ بمجرّد تحمّل الأذى الذي ألحقه به كفّار قريش، أو الدعاء لهم(9)، وإنّما راح يواصل نشْر الدين في أوساطهم حتى استخلص من بينهم ثلّة من المؤمنين جمعهم إليه وكوّن بهم حكومته الإلهية.


2. السؤال من الله تعالى
إنّ من له حاجة لابدّ أن يرجع إلى من بيده قضاؤها. فالذي يصاب بمرض لا يراجع مهندساً بل طبيباً مختصّاً، ومن أراد بناء دار فلا تنفعه مراجعة الخبّاز. ومن كان جائعاً لا يشبعه الخيّاط، وهكذا.
والإمام سلام الله عليه في هذا الشطر من الدعاء يعلّمنا أن نسأل حوائجنا كلّها من الله تعالى؛ لأنّه مصدر العطاء ومسبّب الأسباب، الذي يملك حوائج خلقه كافّة «بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(10).


3. التضرّع إلى الله تعالى
وهكذا ينبغي للعبد إذا نزلت به مسكنة أن يتضرّع إلى لله، ولذلك يقول الإمام: وأتضرّع إليك عند المسكنة.
أمّا المسكنة فهي درجة فوق الحاجة ولذلك قُرنت بالتضرّع وهو المبالغة بالإلحاح والتوسّل في السؤال. فقد يكون الإنسان محتاجاً ويطلب ما يسدّ حاجته أو فقيراً ويسأل عمّا يعينه، أمّا إذا كانت الحاجة ملحّة وشديدة، كمن كان مشرفاً على الموت من شدّة الجوع، فإنّه يتضرّع في سؤاله ويتذلّل بين يدي مسؤوله حتى يستجيب له.
ولقد عُدّ المسكين أسوأ حالاً من الفقير؛ لأنّ الفقر قد أسكنه، أي قعد به، لأنّ حاجته شديدة وقدرته على استحصال ما يريد ضعيفة؛ ولذا قيل: إنّ الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. أي إذا ذُكرا معاً اختلف معناهما، لأنّ المسكين أسوأ حالاً من الفقير، أمّا إذا ذُكر أحدهما فقد يكون بمعنى الآخر، أي يكون لكليهما معنى واحد.
وهذه الجملة من الدعاء تحرّض الفرد على أن يكون بالغ الطلب من الله تعالى كلّما زاد فقراً ومسكنة، ولا ينبغي لشدّة وطأتهما أن تفقداه ذكر ربّه، كما هو ديدن كثير من الناس.
فالإنسان المؤمن دائم السعي لمضاعفة إيمانه، ويرى في الحاجة والمسكنة والاضطرار عوامل دفع وإلجاء أكبر للاستعانة بالله تعالى، ويقول: اللهم اجعلني أصول بك عند الضرورة وأسألك عند الحاجة وأتضرّع إليك عند المسكنة، نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لمراضيه، إنّه سميعٌ مجيب.


(1) لم ترد مفردة صولة في النصوص الأدبية إلا قليلاً، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى قلّة حصول مصداقها، رغم كثرة الحروب وكثرة الدواوين التي تؤرّخ لها، فيما ورد التعبير بالجولة والسجال وغيرها كتعبير عن اشتداد نار الحرب.
(2) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة: 346.
أقول: مع علمه صلى الله عليه وآله بأنّ من كانوا قبله من الأنبياء والرسل، منهم مَن نُشر بالمناشير أو ألقي في النار، ومنهم من أُلقي في غيابة الجبّ إلا أنّه صلوات الله عليه وعلى آله قد امتاز عليهم وعلى أوصيائهم جميعاً فيما تعرّض له هو وأهل بيته صلوات الله عليهم من بعده.
(3) راجع بحار الأنوار: 16/ 402 باب 12 باب نادر في اللطائف في فضل نبيّنا صلى الله عليه وآله في الفضائل والمعجزات على الأنبياء عليهم السلام.
(4) الغدير: 7/ 359 رقم11 سيدنا أبو طالب وقريش.
(5) انظر مثير الأحزان لابن نما: 54. من أخبار المقصد الثاني في وصف موقف النزال وما يقرب من تلك الحال.
(6) عوالم الإمام الحسن سلام الله عليه: 289.
(7) الجواهر السنية: 70.
(8) نصّ حديث النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله. انظر كتاب الدعوات.
(9) كما في قوله صلى الله عليه وآله: اللهم اهد قومي فإنّهم لا يعلمون. راجع الصحيح من السيرة للسيد العاملي: 251، آية النهي عن الاستغفار للمشرك.
(10) الملك: 1.